جدلية العدالة والإستقرار لدى الإمام الصادق المهدي
بقلم: عروة الصــادق
مما لا شك فيه أن الجدل احتدم بين كثير من الثنائيات أولها جدل المنشر والمحشر، واللاهوت والناسوت، والعلمنة والثيوقراطية، واستمر الجدل إلى أن وصل قمته الملائكية الرحمانية والمجادلة عن خليفة الله في أرضه(الإنسان) ولا يخفى على القارئ أو القارئة جدلية الرحمن عز وجل وإبليس الملعون.
هذه كلها جدليات عنصرها الرئيسي والمجادل حوله هو الإنسان الذي أراد خالقه تكريمه، ورحمته، ورفعته، لا إذلاله، وتعذيبه، وحطته. فكانت جدلية العدالة والإستقرار إنسانية المقصد قبل كل شيء، وتتجلى هذه الإنسانية في حفظ حياة ما ينبغي من خلق الله وعياله وضمان استقرارهم وطمأنينتهم وسلمهم ومأكلهم ومشربهم. كما أوجبت هذه الجدلية إرساء قيمة لاهوتية تسمى بها رب الخلائق ذاته وهي قيمة "العدل" الغائبة في كثير من دول العالم والعوالم المستضعفة عامة والسودان خاصة منذ أفول شمس الخميس الموافق التاسع والعشرين من شهر مايو 1989م.
مع ذلك الغياب لم تتقاعس همة أولوا العزم من ساسة وقادة البلاد بالتقريع والنصح للنظام والعصابة الظالمة المنقلبة على بني شعبها، فنصحوهم بأن( ذهاب هذه القيمة " العدل" سيفضى إلى خلق، ما يمكن تسميته عدم استقرار للوطن السودان).
ولكن الإمام الصادق المهدي خاطبهم صبيحة اعتقاله من منزل البروفسير( الشيخ محجوب جعفر وعمته إنعام المهدي) بود نوباوي مطلع يوليو 1989م بأن: ( يا أهل النظام الجديد معكم القوة العسكرية ومعنا الشرعية المستمدة من شعب السودان فتعالوا إلى كلمة سواء نجنب بها بلادنا شراً مستطيراً قد ينجم عن هذا الظلم وفعلتكم الإنقلابية).. بنفس هذه المعاني وإن لم يكن بنفس العبارات صاغ الحبيب الإمام الصادق المهدي هذه الوريقات التي عنونها للعميد آنذاك" عمر حسن البشير"، ولكن لم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد..
فجدلية العدالة والإستقرار لم يستبصرها ويسيقنها إلا ذوي الألباب، بل قوبلت هذه النبوءة الصادقية بأيلولة الوضع السياسي والإنساني السوداني قوبلت تارة بالمراودة لصاحب الجدلية بالسلطة ولذتها، والذي استعفف واستعاذ مما هيئته له الحكومة الإنقلابية وتارة ً أخرى قيل له: ( لئن لم تفعل ما يأمرك به النظام لتسجنن ولتكونن من الصاغرين) فتخير محبة السجن مما يدعونه إليه، فقضى فيه مائة يوم ويوم ذاق فيها مرارة السجن وذل السجان ولكنه أثبت أن طريق الحق محفوف بالمخاطر. فقد عُسَّ فيه عيسى، ومُسَّ فيه موسى، وناح فيه نوح، وخُلَّ فيه الخليل، وحُمَّ فيه مُحمَّد نبي الرحمة عليهم أفضل الصًّلاة والسَّلام. وظلت الجدلية مستمرة في عهودهم وفي عهده مسجونا لدي طغمة الإنقاذ مستمرة بين العدالة والإستقرار إلى أن وصلت ذروتها بطلب المدعي العام للمحكمة الجنائية والدائرة التمهيدية الأولى أمرا قضى باعتقال رأس جمهورية السودان " عمر حسن أحمد البشير" المعنون لحكومة السودان والدول الأعضاء في مجلس الأمن والأمم المتحدة والأعضاء في ميثاق روما والغير أعضاء فيه بتاريخ (4 آذار- مارس 2009م). قبل هذا التاريخ بأعوام قلائل صدر قرار عدلي من مجلس الأمن بحق السودان (1593) للتحقيق مع من يدعى أنهم ارتكبوا جرائم ضد الانسانية في دارفور بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم التحدة. وبموجب هذا القرار كونت لجان تقصي الحقائق التي أذن لها النظام بالدخول والتحقيق وجمع أدلة الإدعاء بل جاراها النظام ذاته في تشكيل لجنة داخلية برئاسة "دفع الله الحاج يوسف"، فرحب الإمام الصادق المهدي ومؤسسات حزب الأمة القومي وكيان الأنصار بالقرار الذي يعد محمدة وطنية ودينية، لأن سيد الوجود نبي الرحمة- صلى الله عليه وسلم- قال حاثا أمته على إحقاق العدل: ( وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها)، والواجب الوطني يملى على الجميع تحقيق العدل.
هذا التمسك بتحقيق العدالة من الإمام الصادق المهدي ، لم يُـلهِ بصره وبصيرته من مآل الوضع في حال توقيف رأس دولة السودان، وجَعَل يوجِّه دفتي العدالة والإستقرار إلى الطريق الثالث الذي سمَّاه "المحكمة الهجين"- بل ذهب إلى أكثر من ذلك للمناداة بتكوين هيئة للحقيقة والمصارحة على غرار ما فُعِل في جنوب إفريقيا والكنغو الديمقراطية وغيرها من نماذج الحِسْبَة والمُساءَلة والمُصالحَة. هذا الطريق الثالث عرض على كل أهل السودان وعلى أهل النظام خاصة، وأراهم يتَمَنَّعون ويصُدُّون عنه صدوداً إلا قلة قليلة تسعى لفَشِّ الغبائن وتَخْريب المدائن.
وعرض هذا الطريق الثالث أيضا على كل المؤسسات الإقليمية منها: ( الجامعة العربية- والإتحاد الأفريقي- وبعثات الأمم المتحدة- وبعثات الإتحاد الأوروبي -وومثلي كثير من البعثات الدبلوماسية -ولجنة حكماء إفريقيا بقيادة رئيس جنوب إفريقيا السابق ثامبو أمبيكي. وهذا الأخير والذين معه استوعبوا معاني هذه الجدلية و كيفية الخروج من مأزق الجنائية بإقرار مبدأ العدالة والسعي للإستقرار السياسي وتحقيق السلام العادل الشامل الذي يمكنا السودانيين من تعجيل عملية التحول الديمقراطي الكامل.
لله در الإمام الصادق المهدي الذي صدق يومئذ قال للإنقلابيين: " جنِّبوا بلادنا التشَظِّي والتَّدْوِيل وصَوْمَلة الشأْن السوداني" حينها ضحك الضاحكون واعتبروها جملا إستعلائية وتهكموا عليها، بل لم نكن حينها نعلم مدى خطورة تدويل الشأن السوداني، ولم نَعِ ما هو جدل العدالة والإستقرار.. وبما أنه لا سلام بلا عدالة فينبغي علينا أن نسأل: هل نستطيع أن نَحُلّ بيد الحكمة عقدة شئوننا السياسية والوطنية والفكرية السودانية أم أننا سنلجأ للحل بأسنان لاهاي كما فعلنا في قضية أبيي؟ قديما قيل: " حَلاًّ بِالْإيَد وَلاَ حَلاًّ بِالسُّنُون".
فتبقى حتمية " لاَ يصِح إلاَّ الصحيح" فإذا طبق هذا النهج في سوداننا بالمواءمة و المُمَاهاة بين العدالة والإستقرار وإثبات جدواه فهذا مفادُه أن السودانيون سيكونون معَلِّمِي وأساتذة العالم، فكم من البلدان اليوم تُثْخن جراحها الحروب الدامية المقيتة، والظلم الكبير الملقى على كاهل الشعوب إما بالإستبداد الداخلي أو الإستعمار الخارجي أو الاستيطان؟؟ فمن المؤكد أن هذا الطريق سيُدْرس ويُدَرَّس في عواصم عربية وإفريقية وأخرى ما وراء البحار أهمها: (مقديشو- وكابول- وبيروت- والقدس- وكمبالا- وصنعاء- وبغداد- وأنجمينا- وهندوراس في أمريكا اللاتينية) وغيرها من بؤر التوتر في العالم.
ختاما: ليحفظ الله سوداننا أرض أجدادنا ومنبت رزقنا..(( وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من من حمل ظلما)).. صدق الله العظيم
البقعة المباركة – أم درمان
فجر 26 أغسطس 2009م.
بقلم: عروة الصــادق
مما لا شك فيه أن الجدل احتدم بين كثير من الثنائيات أولها جدل المنشر والمحشر، واللاهوت والناسوت، والعلمنة والثيوقراطية، واستمر الجدل إلى أن وصل قمته الملائكية الرحمانية والمجادلة عن خليفة الله في أرضه(الإنسان) ولا يخفى على القارئ أو القارئة جدلية الرحمن عز وجل وإبليس الملعون.
هذه كلها جدليات عنصرها الرئيسي والمجادل حوله هو الإنسان الذي أراد خالقه تكريمه، ورحمته، ورفعته، لا إذلاله، وتعذيبه، وحطته. فكانت جدلية العدالة والإستقرار إنسانية المقصد قبل كل شيء، وتتجلى هذه الإنسانية في حفظ حياة ما ينبغي من خلق الله وعياله وضمان استقرارهم وطمأنينتهم وسلمهم ومأكلهم ومشربهم. كما أوجبت هذه الجدلية إرساء قيمة لاهوتية تسمى بها رب الخلائق ذاته وهي قيمة "العدل" الغائبة في كثير من دول العالم والعوالم المستضعفة عامة والسودان خاصة منذ أفول شمس الخميس الموافق التاسع والعشرين من شهر مايو 1989م.
مع ذلك الغياب لم تتقاعس همة أولوا العزم من ساسة وقادة البلاد بالتقريع والنصح للنظام والعصابة الظالمة المنقلبة على بني شعبها، فنصحوهم بأن( ذهاب هذه القيمة " العدل" سيفضى إلى خلق، ما يمكن تسميته عدم استقرار للوطن السودان).
ولكن الإمام الصادق المهدي خاطبهم صبيحة اعتقاله من منزل البروفسير( الشيخ محجوب جعفر وعمته إنعام المهدي) بود نوباوي مطلع يوليو 1989م بأن: ( يا أهل النظام الجديد معكم القوة العسكرية ومعنا الشرعية المستمدة من شعب السودان فتعالوا إلى كلمة سواء نجنب بها بلادنا شراً مستطيراً قد ينجم عن هذا الظلم وفعلتكم الإنقلابية).. بنفس هذه المعاني وإن لم يكن بنفس العبارات صاغ الحبيب الإمام الصادق المهدي هذه الوريقات التي عنونها للعميد آنذاك" عمر حسن البشير"، ولكن لم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد..
فجدلية العدالة والإستقرار لم يستبصرها ويسيقنها إلا ذوي الألباب، بل قوبلت هذه النبوءة الصادقية بأيلولة الوضع السياسي والإنساني السوداني قوبلت تارة بالمراودة لصاحب الجدلية بالسلطة ولذتها، والذي استعفف واستعاذ مما هيئته له الحكومة الإنقلابية وتارة ً أخرى قيل له: ( لئن لم تفعل ما يأمرك به النظام لتسجنن ولتكونن من الصاغرين) فتخير محبة السجن مما يدعونه إليه، فقضى فيه مائة يوم ويوم ذاق فيها مرارة السجن وذل السجان ولكنه أثبت أن طريق الحق محفوف بالمخاطر. فقد عُسَّ فيه عيسى، ومُسَّ فيه موسى، وناح فيه نوح، وخُلَّ فيه الخليل، وحُمَّ فيه مُحمَّد نبي الرحمة عليهم أفضل الصًّلاة والسَّلام. وظلت الجدلية مستمرة في عهودهم وفي عهده مسجونا لدي طغمة الإنقاذ مستمرة بين العدالة والإستقرار إلى أن وصلت ذروتها بطلب المدعي العام للمحكمة الجنائية والدائرة التمهيدية الأولى أمرا قضى باعتقال رأس جمهورية السودان " عمر حسن أحمد البشير" المعنون لحكومة السودان والدول الأعضاء في مجلس الأمن والأمم المتحدة والأعضاء في ميثاق روما والغير أعضاء فيه بتاريخ (4 آذار- مارس 2009م). قبل هذا التاريخ بأعوام قلائل صدر قرار عدلي من مجلس الأمن بحق السودان (1593) للتحقيق مع من يدعى أنهم ارتكبوا جرائم ضد الانسانية في دارفور بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم التحدة. وبموجب هذا القرار كونت لجان تقصي الحقائق التي أذن لها النظام بالدخول والتحقيق وجمع أدلة الإدعاء بل جاراها النظام ذاته في تشكيل لجنة داخلية برئاسة "دفع الله الحاج يوسف"، فرحب الإمام الصادق المهدي ومؤسسات حزب الأمة القومي وكيان الأنصار بالقرار الذي يعد محمدة وطنية ودينية، لأن سيد الوجود نبي الرحمة- صلى الله عليه وسلم- قال حاثا أمته على إحقاق العدل: ( وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها)، والواجب الوطني يملى على الجميع تحقيق العدل.
هذا التمسك بتحقيق العدالة من الإمام الصادق المهدي ، لم يُـلهِ بصره وبصيرته من مآل الوضع في حال توقيف رأس دولة السودان، وجَعَل يوجِّه دفتي العدالة والإستقرار إلى الطريق الثالث الذي سمَّاه "المحكمة الهجين"- بل ذهب إلى أكثر من ذلك للمناداة بتكوين هيئة للحقيقة والمصارحة على غرار ما فُعِل في جنوب إفريقيا والكنغو الديمقراطية وغيرها من نماذج الحِسْبَة والمُساءَلة والمُصالحَة. هذا الطريق الثالث عرض على كل أهل السودان وعلى أهل النظام خاصة، وأراهم يتَمَنَّعون ويصُدُّون عنه صدوداً إلا قلة قليلة تسعى لفَشِّ الغبائن وتَخْريب المدائن.
وعرض هذا الطريق الثالث أيضا على كل المؤسسات الإقليمية منها: ( الجامعة العربية- والإتحاد الأفريقي- وبعثات الأمم المتحدة- وبعثات الإتحاد الأوروبي -وومثلي كثير من البعثات الدبلوماسية -ولجنة حكماء إفريقيا بقيادة رئيس جنوب إفريقيا السابق ثامبو أمبيكي. وهذا الأخير والذين معه استوعبوا معاني هذه الجدلية و كيفية الخروج من مأزق الجنائية بإقرار مبدأ العدالة والسعي للإستقرار السياسي وتحقيق السلام العادل الشامل الذي يمكنا السودانيين من تعجيل عملية التحول الديمقراطي الكامل.
لله در الإمام الصادق المهدي الذي صدق يومئذ قال للإنقلابيين: " جنِّبوا بلادنا التشَظِّي والتَّدْوِيل وصَوْمَلة الشأْن السوداني" حينها ضحك الضاحكون واعتبروها جملا إستعلائية وتهكموا عليها، بل لم نكن حينها نعلم مدى خطورة تدويل الشأن السوداني، ولم نَعِ ما هو جدل العدالة والإستقرار.. وبما أنه لا سلام بلا عدالة فينبغي علينا أن نسأل: هل نستطيع أن نَحُلّ بيد الحكمة عقدة شئوننا السياسية والوطنية والفكرية السودانية أم أننا سنلجأ للحل بأسنان لاهاي كما فعلنا في قضية أبيي؟ قديما قيل: " حَلاًّ بِالْإيَد وَلاَ حَلاًّ بِالسُّنُون".
فتبقى حتمية " لاَ يصِح إلاَّ الصحيح" فإذا طبق هذا النهج في سوداننا بالمواءمة و المُمَاهاة بين العدالة والإستقرار وإثبات جدواه فهذا مفادُه أن السودانيون سيكونون معَلِّمِي وأساتذة العالم، فكم من البلدان اليوم تُثْخن جراحها الحروب الدامية المقيتة، والظلم الكبير الملقى على كاهل الشعوب إما بالإستبداد الداخلي أو الإستعمار الخارجي أو الاستيطان؟؟ فمن المؤكد أن هذا الطريق سيُدْرس ويُدَرَّس في عواصم عربية وإفريقية وأخرى ما وراء البحار أهمها: (مقديشو- وكابول- وبيروت- والقدس- وكمبالا- وصنعاء- وبغداد- وأنجمينا- وهندوراس في أمريكا اللاتينية) وغيرها من بؤر التوتر في العالم.
ختاما: ليحفظ الله سوداننا أرض أجدادنا ومنبت رزقنا..(( وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من من حمل ظلما)).. صدق الله العظيم
البقعة المباركة – أم درمان
فجر 26 أغسطس 2009م.
