الخميس، 29 يناير 2026

تصنيف الجماعة إرهابية .. دلالات ومآلات

تصنيف الجماعة إرهابية - دلالات ومآلات

✍ عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


يحمل تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية في السودان دلالات تمتد إلى عمق البنية السياسية والأمنية والاقتصادية، لأن الحركة الإسلامية السودانية تمكنت من احتلال مركز السلطة منذ انقلاب عام 1989م، وأعادت تشكيل أجهزة الدولة على أساس مشروعها الأيديولوجي التمكيني الامنجي المتخندق الممتد لثلاثة عقود، مما يجعل أي خطوة دولية أو إقليمية في اتجاه تصنيف التنظيم خطوة ذات أثر مباشر على مسار الصراع في السودان، خاصة بعد انخراط كوادره وميليشياته في النزاع المسلح منذ أبريل 2023م، هذا أولا.


● ثانيًا: لو نظرنا التطور التاريخي للتنظيم وبنيته الفكرية والتنظيمية فقد بدأت الحركة كامتداد مباشر لفكر حسن البنا في أربعينيات القرن الماضي داخل الوسط الطلابي، ثم تطورت إلى حركة ذات حضور سياسي منظم عبر أطروحات قادها الدكتور حسن الترابي، واستطاعت بناء منظومة فكرية شكّلت قاعدة للتمكين داخل الدولة، واعتمدت الحركة تكتيكاً يقوم على تغيير الواجهة السياسية كلما تبدل المناخ العام، مع الإبقاء على الجوهر التنظيمي، الأمر الذي أتاح لها قدرة عالية على المناورة ضمن مسارات الحكم، وسمح لها بتوسيع نفوذها داخل المؤسسات الرسمية.


● ثالثًا: إن المراحل المحورية في البناء المؤسسي للإخوان في السودان مُعملة للفكر وتجيب على كل تساؤلات اليوم؛ فقد مرت الحركة بعدة مراحل تنظيمية، حيث بدأت في الفترة الممتدة بين 1944م و1954م تحت مسمى حركة التحرير الإسلامي، وهي مرحلة ارتبطت بالنشاط الطلابي وبالتأثر المباشر بإخوان مصر.
ثم دخلت مرحلة جديدة ما بين 1964م و1969م عبر جبهة الميثاق الإسلامي وقتئذ انخرطت في مقاومة النظام وشاركت في انتفاضة أكتوبر، وهي مرحلة انتقلت فيها نحو العمل السياسي المهيكل مع تبني مشروع دستوري إسلامي، وفي الفترة بين 1977م و1985م، توسع نفوذ الحركة عبر مسمى الجبهة الإسلامية القومية، إذ تمكنت من التغلغل داخل أجهزة الدولة والجيش والقطاع المالي أثناء المصالحة الوطنية.
ثم جاءت مرحلة الإعداد للاستيلاء على السلطة بين 1985م و1989م عبر بناء جهاز سري عسكري يعمل خلف المشهد، وبعد نجاح الانقلاب العسكري عام 1989م، دخل السودان مرحلة حكم الحزب الواحد، حيث أنشأ التنظيم مشروع التمكين، وسيطر على مفاصل الدولة، وأنشأ قوات الدفاع الشعبي وواجهات أمنية مجتمعية أخرى. واستمر الأمر إلى أن أججت الجبهة الإسلامية الحريق في جنوب السودان بمشروعها الجهادوي العنصري حتى قرارات رمضان الشهيرة التي زجت بموجبها الحركة عرابها غياهب السجون والمعتقلات، وفي الفترة الممتدة بين 1999م و2019م، انقسمت الحركة إلى المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي بعد ما عُرف بالمفاصلة، إلا أن هذا الانقسام لم ينهِ نفوذها الفعلي، ثم عادت عبر بوابة العمل العسكري خلال الحرب الأخيرة من خلال كتائب ذات ولاء عقائدي، أبرزها كتيبة البراء بن مالك والقعقاع والبرق الخاطف و البنيان المرصوص ونحوها.


● رابعًا: لسبر أغوار العلاقة مع التنظيم الدولي للإخوان نجد أن الحركة الإسلامية السودانية تعتبر نفسها جزءاً أصيلاً من المنظومة الفكرية العالمية للإخوان، مع التزام بالأصول الفكرية العامة التي أقرها مكتب الإرشاد العالمي، إضافة إلى هامش واسع من الاستقلال البراغماتي في القرار المحلي، وشاركت في مل مؤتمرات التنظيم العالمي وآخرها في لاهور/ باكستان 2025م، والتي اعتمد فيها التنظيم استراتيجيته الجديد للتعامل مع المتغيرات القُطرية والإقليمية والدولية، ومع اتجاه الولايات المتحدة في بداية عام 2026م نحو تصنيف فروع التنظيم في المنطقة ككيانات إرهابية ( الأردن، مصر ، لبنان، المغرب .. للخ)، يجد الفرع السوداني نفسه ضمن شبكة متشابكة تتعرض لموجة ضغط دولي متصاعدة، ما يفرض على كوادره التمهيد للتعامل مع تبعات تصنيف محتمل وهو ما أقرته اجتماعات أمينه العام في مطلع العام 2026م بولاية نهر النيل.


● خامسا: مثلت الواجهات الاقتصادية والإمبراطورية المالية للتنظيم عظم الظهر للتنظيم الدولي والسوداني تحت مسمى "الأرض المباركة" وقد اعتمد مشروع التمكين على بناء شبكة اقتصادية واسعة تدير موارد الدولة عبر واجهات متعددة، بعضها حمل طابعاً خيرياً كمنظمة الدعوة الإسلامية، بينما عملت شركات أخرى في قطاعات استراتيجية، ومن أبرز هذه الواجهات مجموعة دانفوديو التي عملت في المقاولات والهندسة والخدمات البترولية ووفرت للتنظيم نفوذاً واسعاً داخل قطاع البنية التحتية والطاقة وشركات وبنوك وأسماء أعمال أخرى، وأدار رجال أعمال منتمون للحركة شركة عابرة للنقل وشريان الشمال ومجموعة شركات الزوايا التابعة لعبد الباسط حمزة، ومجموعات قابلة أخرى، وهي جهة سيطرت على حركة السلع الاستراتيجية والإمداد الثقيل، مما أتاح للتنظيم قدرة لوجستية مهمة.
وفي قطاع الأدوية، امتلك التنظيم شركة الكنار التي شكلت أداة للتحكم في مورد حيوي يدر أرباحاً كبيرة للتنظيم وجهاز المخابرات العامة فكان مدير جهاز المخابرات العامة حامل الأسهم الأكبر فيها،كما أدارت كوادره شركة جمدا المتخصصة في تجارة السيارات والمعدات، وهي جهة وفرت آليات للجهاز الإداري والعسكري، أما قطاع العقارات، فقد مثّلته أبراج الخير في الخرطوم، وهي أصول ضخمة توفر دخلاً ثابتاً للحركة على شكل عوائد إيجارية، ولم تقف يد التعدي على المال العام حتى عن الأوقاف التي تدر ملايين الدولارات للتنظيم ويستفسر بها قادته.

وفي اعتقادي أن أثر التصنيف الإرهابي على الشبكة المالية سيمتد ليضم جماعات داخل السودان وخارجه؛ لأن إدراج أي فرع من فروع الإخوان ضمن قوائم الإرهاب يؤدي إلى تجميد الأصول داخل النظام المالي الدولي، ويجعل التعامل المصرفي شبه مستحيل، مما ينعكس مباشرة على قدرات التنظيم في السودان ويقلص مصادر تمويله للأنشطة العسكرية والسياسية.


● سادسا: لا ننسى البنية العسكرية الموازية فقد بنى التنظيم جهازاً عسكرياً موازياً منذ بداية حكمه وقضائه على مهنيي القوات المسلحة بالتصفية والاغتيال والاعدامات كالتي شملت ضباط رمضان في 1990م، وبعدها امتد الأمر للتكوينات الموازية حيث تأسست قوات الدفاع الشعبي عام 1989م ككيان يجمع بين الطابع القانوني والولاء الأيديولوجي، ووصل عدد مقاتليها إلى عشرات الآلاف صرح امين حسن عمر بأن العدد حزتلي نصف مليون مقاتل.
وبعد سقوط عمر البشير، انتقلت هذه القوات إلى نسق جديد أكثر سرية تحت مسمى كتائب الظل بوصف الأمين العام للحركة الإسلامية علي عثمان محمد طه، وهي وحدات ذات ولاء شديد للحركة وشيوخها، استخدمت خطاباً يهدد بإسكات الثورة المدنية بقوة السلاح وقاد حملتها مهوسون جهادويين كـ إبراهيم محمود والناجي عبد الله وأنس عمر والحاج آدم وغيرهم، ومع اندلاع الحرب الأخيرة، ظهرت كتيبة البراء بن مالك كقوة عسكرية متقدمة تتبع للحركة وهي تقدمت الواجهة رغم وجود كتائب أخرى يقودها اللواء أنس عمر والفريق عمر نمر وآخرين، حيث ضمت آلاف المقاتلين تحت قيادة المدعو المصباح طلحة الذي برز مؤخرا يعلن التعبئة من داخل العاصمة وتلميحه بالتمرد على قرارات القيادة العسكرية، واعتمدت على أسلحة متطورة، بما في ذلك المسيرات التي لعبت دوراً مؤثراً في معارك مواقع استراتيجية، وأثار هذا الوجود العسكري تساؤلات دولية حول مدى استقلالية قرار القيادة العسكرية في السودان، لأن مشاركة هذه الكتائب تمنح الحركة قدرة على الحفاظ على نفوذها داخل الصراع.


● سابعا: إن التداعيات القانونية والسياسية للتصنيف الأمريكي الذي اتجهت إليه إدارة الرئيس دونالد ترامب في أواخر 2025م وبداية 2026م إلى تصنيف فروع التنظيم في مصر والأردن ولبنان ككيانات إرهابية ستكون كبيرة على التنظيم السوداني، مع الإشارة الرسمية إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن عملية واسعة ستطال فروعاً أخرى وفق تقييمات التهديد، ويُبنى التصنيف في القانون الأمريكي على معايير تشمل تهديد الأمن القومي الأمريكي أو مصالح الحلفاء، وتورط التنظيم في رعاية الإرهاب أو تقويض التحول الديمقراطي، وهي معايير تتوفر بلا أدنى شك في الحالة السودانية عبر استضافة أسامة بن لادن وقيادات القاعدة في التسعينيات، وتنفيذ انقلابين عسكريين، ومحاولة اغتيال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك على طريقة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك؛ وتفجير السفارتين في نيروبي ودار السلام وقصف المدمرة الأمريكية "كول" والمشاركة الفاعلة في الحرب الحالية لإجهاض الاتفاق الإطاري.


● ثامنا: موقف السلطة الانتقالية والجيش ظل يشكل غطاء سياسي وأمني للحركة وقياداتها وأمينها العام علي كرتي، وذلك مع سعى البرهان والقيادة العسكرية إلى تقديم رواية تقول إن الجيش يخوض القتال بصفته مؤسسة وطنية، وإن المقاتلين الإسلاميين مجرد مستنفرين، غير أن الظهور العلني للمصباح أبو زيد، وزيارات البرهان لعناصر الكتيبة في المستشفيات، واصطحاب الفريق ياسر العطا لعناصر الكتائب كلها أحداث تُضعف تلك الرواية أمام المجتمع الدولي، وفي المقابل رحّبت غالبية القوى المدنية السودانية بالتحركات الدولية الداعية لتصنيف الجماعة، ودشنت تحالفات تأسيس وصمود حملات لتوثيق انتهاكات الحركة لتقديمها للجهات الدولية بهدف دعم قرار التصنيف.


● تاسعا: تأثير التصنيف على العلاقات الدولية والاقتصاد السوداني سيكون الأكبر حال دخل حيز النفاذ؛ ويرتبط أي تقدم في ملف إعفاء ديون السودان وعودة البلاد إلى مسار التمويل الدولي بمدى قدرة الحكومة على تفكيك نفوذ الإخوان داخل أجهزة الدولة، كما يتأثر مسار انضمام السودان إلى الاتفاقات الإبراهيمية بوزن التيار الإسلامي داخل المشهد، لأن هذه الاتفاقات تعد شرطاً مهماً في نظر واشنطن لاستعادة الدعم الدولي، بينما يعارضها التنظيم بشدة، وعلى مستوى المساعدات، فإن أي نفوذ فعلي للحركة داخل السلطة يؤدي إلى توقف التمويل الدولي، وتعطيل قروض البنك الدولي، مما يفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.


● عاشرا: بالحديث عن مستقبل التنظيم في السودان، سنجد أن "بروبغندا" الحرب تظهر أن التنظيم المحلول والحركة الإخوانية هما حامي الحما والمدافع عن بيضة الإسلام وحرائر الشعب، والحقيقة هي تراجع شعبية الحركة داخل المجتمع السوداني واضح، مع بقاء قدرتها العسكرية والمالية، مما يجعل مستقبلها مرهوناً بمسار الحرب الحالية ومواقف الفاعلين الدوليين، لذلك نجد كل هذا التعنت والرفض لأي عملية سلام أو مفاوضات.

لذلك كله سيكون أمامنا سيناريو العزلة الشاملة، إذ يتوقع أن يؤدي تصنيف دولي مباشر للحركة إلى انقسام داخلي نتيجة ابتعاد العناصر البراغماتية عن التنظيم خوفاً من الملاحقة، إضافة إلى انتقال الحركة إلى غرف سرية مغلقة يسهل مراقبتها ويضعف قدرتها على العمل السياسي، إلى جانب ضغط دولي قد يدفع الجيش للتخلص من نفوذها ودمج مقاتليها في مؤسسات أخرى بطريقة قسرية أو إنهاء وجودهم المستقل.


● ختاماً: يحمل تصنيف الحركة الإسلامية السودانية ككيان إرهابي آثاراً بنيوية تتصل بإعادة بناء الدولة السودانية، لأن الحركة حرّكت مؤسسات الدولة في اتجاه يتوافق مع مصالح التنظيم الدولي، الأمر الذي يجعل تفكيك شبكاتها المالية والعسكرية ضرورة للحفاظ على وحدة السودان واستقراره، وتحتاج القوى الوطنية والمجتمع الدولي إلى مواصلة التدقيق المالي على واجهات الحركة الاقتصادية، وإلى عزل سياسي واضح لأي كيان تورط في إجهاض التحول المدني، مع متابعة قانونية تضمن عدم إفلات القيادات من المساءلة في ظل الحرب، ويتضح أن الطريق نحو استعادة التوازن السياسي والأمني في السودان يرتبط بإزالة النفوذ الفكري والمالي والعسكري الذي راكمه التنظيم، وهو توجه تدعمه واشنطن وعدة أطراف إقليمية مع بداية عام 2026م.


الاثنين، 26 يناير 2026

تحرير الخرطوم 1885م

تحرير الخرطوم 1885م

قراءة في القيادة والسيادة والشرعية التاريخية

عروة الصادق


orwaalsadig@gmail.com

إن تحرير الخرطوم في السادس والعشرين من يناير 1885م يمثّل لحظة تأسيسية في التاريخ السياسي السوداني، تجاوزت كونها واقعة عسكرية إلى كونها تحولًا بنيويًا في ميزان السلطة والشرعية والسيادة، وهذا الحدث أعاد تشكيل المجال السياسي السوداني، وأسقط نموذج الحكم الأجنبي المفروض، وفتح أفقًا جديدًا لفكرة الدولة الوطنية المنبثقة من الداخل الاجتماعي والثقافي.

القراءة العلمية لهذا الحدث تقتضي الابتعاد عن الانفعال الخطابي، والاقتراب من الوثائق، والسياق، ومنطق القرن التاسع عشر، ومعايير حرب المدن السائدة آنذاك، ضمن هذا الإطار، تتكشف تجربة بوصفها تجربة قيادة مركّبة، جمعت بين التعبئة الشعبية، والتنظيم السياسي، والانضباط العسكري، والإدارة المدنية بعد الحسم.

الخرطوم قبل التحرير كانت مدينة سلطة ومجال صراع، فقبل 1885م كانت مركزًا إداريًا وتجاريًا يخضع لسلطة تركية–مصرية مدعومة بالقوة البريطانية، والمدينة مثّلت عقدة حكم وجباية وتجارة، أكثر من كونها حاضرة وطنية بالمعنى الاجتماعي، والتركيبة السكانية غير المتجانسة، والنفوذ الاقتصادي للأجانب، والتفاوت الحاد في الثروة، كل ذلك خلق فجوة بنيوية بين السلطة وسكان البلاد.

هذا الواقع أنتج مناخًا سياسيًا هشًا، جعل المدينة معزولة اجتماعيًا عن محيطها السوداني الواسع، ومحاطة بحزام شعبي يرى فيها رمز السيطرة الأجنبية، لذلك جاء الحصار بوصفه أداة سياسية قبل كونه أداة عسكرية، استهدف إخضاع مركز الحكم دون تدمير المجتمع.


إن القيادة المهدية إماما وأمراء وقادة ومنطق القرار كانوا نموذجا للاتساق  والاتفاق؛ فقرار اقتحام الخرطوم صدر عن قيادة واعية بميزان الزمن الاستراتيجي، مع اقتراب حملة الإنقاذ البريطانية، واستنزاف قوات الحصار، وانهيار الأوضاع داخل المدينة، كلها عناصر فرضت الحسم، هذا القرار جاء عقب مسار طويل من الرسائل والعروض التي هدفت إلى التسليم الآمن وحقن الدماء، وهي موثقة في مراسلات الإمام المهدي مع الجنرال غردون.

هذا المسار يبرهن أن القيادة المهدية تعاملت مع القوة بوصفها خيارًا أخيرًا، مرتبطًا بمسؤولية سياسية وأخلاقية، ضمن معايير عصرها، وهذا الفهم يتعارض جذريًا مع سرديات الفوضى التي صاغتها الدعاية الإمبراطورية لاحقًا.


وفي يوم التحرير كان الحسم والانضباط الذي حاولت أقلام الدعاية الحربية تصويره كاستباحة، وفي فجر السادس والعشرين من يناير شهد انهيار الدفاعات نتيجة الإنهاك الطويل لحوالي 317 يوما، ودخول جحافل الأنصار عبر محاور متعددة، وهذه اللحظة، بطبيعتها، حملت توترًا عاليًا، كما هو شأن اقتحام المدن عبر التاريخ، غير أن الفارق الجوهري يكمن في انتقال القيادة السريع من الحسم إلى الضبط.

فجميع المنشورات الصادرة قبل الدخول وأثناءه وبعده تضمّنت تعليمات صريحة تتعلق بحماية المستسلمين، وصون البيوت المغلقة، وتحريم التعدي على النساء، وتحديد أسماء شخصيات محمية، وهذه النصوص المنشورة تشكّل سياسة عامة مكتوبة، وهي عنصر حاسم في التقييم العلمي لا التضليل المزاجي.


كما أن إدارة ما بعد التحرير تجلت بوضوح أن الدولة في لحظة التكوين؛ لأن ما تلا التحرير يكشف عن وعي مؤسسي مبكر، فقد تم تعيين أمناء لبيت المال، تنظيم الغنائم، رد الممتلكات، إنشاء آليات عقاب للتفلت، وإيواء الضعفاء، كلها إجراءات موثقة في مراسلات رسمية، وهذا السلوك يضع القيادة المهدية ضمن نمط الدول الناشئة التي تدرك خطورة الفوضى على شرعيتها.

ولئلا يفهم حديثنا تبريرا وإنكار حدوث بعض المخالفات، أقول: "أن العنف الذي وقع في الساعات الأولى لفتح الخرطوم جرى التعامل معه بوصفه انحرافًا يستوجب الردع، وليس ممارسة مقبولة، وهذا الفارق يميّز بين التحرير بوصفه فعلًا سياسيًا، والاستباحة بوصفها نمطًا مستدامًا.


إن تفكيك خطاب التشويه الإمبراطوري مهمة كل سوداني يرى في المهدية إرث يخصه؛ لأن تحرير الخرطوم ومصرع غردون شكّلا صدمة داخل بريطانيا، وهذه الصدمة تحوّلت إلى حملة خطابية هدفت إلى إعادة تشكيل الحدث في الوعي العام، تمهيدًا لإعادة الاحتلال لاحقًا، وهو ما تجلى في كتب الدعاية، والصحافة، والنصوص المحررة التي استخدمت لغة إثارية، وعمّمت حوادث محدودة، وأغفلت السياق والزمن بإيعاز من ونجت باشا وأذرع السلطة، ولكن عددا من المؤرخين البريطانيين اللاحقين أشاروا إلى هذا التلوين المتعمد، وأعادوا الاعتبار للوثائق الحقيقية المجردة، وهو ما يؤكد الرواية التحليلية التي ترى في تحرير الخرطوم فعل سيادة، لا انفلاتًا همجيًا.


وبوضه الإمام المهدي عليه السلام وقيادة الدولة وقتئذٍ في ميزان التاريخ، نجد أن الإنصاف التاريخي للإمام المهدي ومن معه يستند إلى أفعالهم، لا إلى الأسطرة، فالرجل قاد حركة امتلكت عمقًا اجتماعيًا واسعًا، وأدار انتقال السلطة، وفرض الانضباط، وسعى إلى تقليص كلفة العنف، وهذه المعايير تضعه ضمن قادة التحرر في القرن التاسع عشر، الذين واجهوا إمبراطوريات بموارد محدودة، واعتمدوا على الشرعية الشعبية والتنظيم، والهجوم عليه يستند غالبًا إلى إسقاطات زمنية، أو إلى مصادر دعائية، أو إلى قراءة مجتزأة للحدث، وغبائن أسرى وضباط مخابرات؛ لذلك التحليل المتكامل يعيد الميزان إلى موضعه الطبيعي.


وأقول: الدرس المستفاد أن تحرير الخرطوم يقدّم عبرًا تتجاوز الماضي:

  • السيادة تتحقق عبر القرار والتنفيذ والانضباط.

  • الشرعية الشعبية تمثّل ركيزة ردع داخلية.

  • العنف السياسي يفقد معناه فور غياب الهدف.

  • الذاكرة التاريخية غير المنضبطة تتحول إلى أداة صراع داخلي.

هذه الدروس مجتمعة تشكّل قاعدة معرفية لفهم مسار الدولة السودانية، وتمنح الحدث قيمته المستمرة.

ختاما: إن تحرير الخرطوم عام 1885م يقف في سجل التاريخ السوداني بوصفه لحظة سيادة مكتملة العناصر، فالحدث جمع بين القرار السياسي، والحسم العسكري، والإدارة المدنية، والشرعية الاجتماعية، ضمن هذا الميزان، يتأكد أن ما جرى كان تحريرًا مؤسسًا لدولة، وفق شروط عصره ومعاييره.

هذه القراءة لا تدافع، ولا تبرر، ولا تهاجم، إنها تزن الوقائع بميزان العلم، وتضع الرجل والحدث في موضعهما الصحيح داخل التاريخ الإنساني لتجارب التحرر.

الجمعة، 16 يناير 2026

`في ذكرى الإسراء والمعراج ٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ١٦ يناير ٢٠٢٦م`

بسم الله الرحمن الرحيم
لـ "منصة تعليم وتزكية"

`في ذكرى الإسراء والمعراج ٢٧ رجب ١٤٤٧ هـ الموافق ١٦ يناير ٢٠٢٦م`

✍.  عروة الصادق
orwaalsadig@gmail.com
> الحمد لله الوالي الكريم الذي مجد ذاته قائلا: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء : 1] والصلاة والسلام على المُسرى به حبيبنا محمد ﷺ وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، بعد؛؛

طُلب مني أن أعد كلمة إحياء لهذه الذكرى المعظمة فارتأيت أن أقدم هذه الكلمة المنظمة، وعددت محاورها لتخاطب الآتي:

● أولا: مشروعنا الفكري الذي ينبني على سهم الحبيب الإمام الصادق المهدي عليه الرضوان الاجتهادي الذي جعله بهذا الشكل النهضوي مرتكزا على رؤية ديناميكية متّصلة، لا تعتمد النص التقليدي الجامد فحسب، وإنما تضعه في حوار دائم مع الوحي والعقل والتجربة. فالإمام يرى أن الإسلام دينٌ “دين اجتهاد مستمر” يتفاعل فيه النصُّ المقدس مع روح العقل والخبرة الإنسانية، فالمعرفة الدينية عنده رباعية المصادر (الوحي والإلهام والعقل والتجربة)، والاعتراف بتعددها يخلق جسرًا بين ثوابت النص وروح العصر، وحين “ندرك هذه الحقيقة يزول النزاع الديني-العلماني” المتنازع على مصدر الحقيقة.
> من هذا المنطلق تُرفع الحرية الفكرية والاجتهادية، وتتجنب المواقف التقليدية الميؤوس منها، فالإمام يستلهم نموذج مدرسة أئمة الاجتهاد، فالتحرر من التقليد يعيد الحياة للعقل كما قال الجوزي: “في التقليد إبطال لمنفعة العقل”، وهذه الرؤية جدلية تجعل الدين حيوية فكرية مستمرة، تتيح الاجتهاد الشرعي وتربط النص بمقاصد الشريعة.

● ثانيًا: الدين جدلية تفاعل بين النص والعقل والتجربة
لا يرى الحبيب الامام عليه الرضوان أن الدين مجرّد مرجعية جامدة تنتهي مع التشريعات القديمة، وإنما منهج حواري حيّ، فهو يُشدّد على أن المعرفة الإسلامية لا تقتصر على النقل فقط، ولكنها تدمج نقل الوحي مع «ما يجده الإنسان بعقله وتجربته»، وبكلامه: “وسائل المعرفة الإنسانية أربعة هي: الوحي، والإلهام، والعقل، والتجربة”، وهذا التصور يكرّس التكامل بين حقيقتين: النصّ المقدس وَقوانينه، وما يرسمه الواقع والعلم.
إن إدراك هذه “الحقيقة التكامليّة” يعني زوال الصراع المتجذّر بين العلم والدين، فالإمام يرى أن النزاع بين المضمون القرآني والعلوم الطبيعية هو نزاع تعسّف فكري لا يصح، ونظراً لذلك فإن الإسلام «أوضح حقائق الغيب وأعطى شرعية للبرهان والتدبّر» كما أشار، قائلاً: “إذا أدركنا هذه الحقيقة يزول النزاع الديني العلماني”.
> هكذا، فإن أركان رؤيته الفكرية تقوم على الحوار الجدلي: يأخذ الدين بنصوصه الثابتة في العقائد (ما لا يقبل التأويلات المتناقضة)، ويسمح للعقل بالتنقيب في تلك النصوص بحسب مقتضيات الزمان والمكان، وفي هذا الإطار تتقدم قيم الاجتهاد والمناقشة العلميّة على الجمود والاتباع الأعمى، ما يفتح الباب أمام تشريعات تجديدية تحافظ على الثوابت وشروط العصر معاً.

● ثالثًا: تأصيل فكرة الإسراء والمعراج ومعانيها الإنسانية
في خطابه حول الإسراء والمعراج، أكّد دومًا الإمام الصادق المهدي أن الإيمان بالمناسبة واجبٌ ديني، لكن كيفية وقوعها مفتوحة للتأويل الاجتهادي، فالاحتفال يجمع ذكرى الإسراء والمعراج مع المولد والمناسبات الدينية، وقد قال: «بعض الناس يحسبون الديانة اتباع المنقول وحده، ولكن ديننا دين اجتهاد مستمر»، ثم بيّن أن الاعتقاد بالإسراء والمعراج “واجب، ولكن الكيفية هي التي يدخل فيها اجتهاد”.
فهمه للإسراء والمعراج يستقيم مع الوسطية الإسلامية؛ فهو «فهم روحاني منضبط» يحترم قيم الدين العقلية والطبيعية، واعتبر أن تجسيد الحدث لم يكن هدفاً في حد ذاته، ولكن المهم الفهم المقاصدي؛ إذ قال: “الفهم الروحاني المنضبط للإسراء والمعراج هو المناسب لوسطية الإسلام ويدعم نظرة تدرك أهمية قوانين الطبيعة وعطاء العقل”.
> بناءً على ذلك فإن مكانة الإسراء والمعراج في مشروعه النهضوي تمتد أبعد من كونه معجزة خارقة؛ فهو “وسيلة اتصال خاص بين عالم الغيب وعالم الشهادة” تضع الإيمان في عالم اليقين دون التخلي عن العقل، والشعور الإنساني المستخلص من ذلك الحدث هو الدعوة إلى اعتبار معجزات الرسالة مستمرة بأثرها الأخلاقي والثقافي (الإيمان الخالص، والوحدة الإنسانية، وفضائل العقل والتدبر) لا الوقوف عند الجانب العجائبي فقط.

● رابعا: المهدية وظيفة إحيائية لا حدث انتظاري
توافق هذه الذكرى ميلاد الامام المهدي عليه السلام وهنانجظ المهدية عند الإمام الصادق المهدي ليست حدثاً مسلَّماً بحد ذاته يختتم الزمان، وإنما وظيفة إحياء ديني للنص والروح الإسلامي. فرغم موقفه التاريخي تجاه المولد، نصّ الإمام على أن دعوة المهدية هي «مهمة إحياء الدين بخطاب روحي غيبي خاص»، وقد بيّن أن المهدية عند جده الإمام محمد المهدي بن عبد الله(عليه السلام) كانت “وظيفية، وهي وظيفة إحياء الدين”، وحرر نظرته للمهدية من كل القيود السنية والشيعية والصوفية والفلسفية، فبدلاً من أن تكون انتظاراً خالصاً، حوَّلها إلى “دعوة وظيفية متجددة مع الأيام” تأخذ الإسلام إلى عصره بروح المبادرة والاجتهاد.
> إن دستور المهدية الذي سار عليه الإمام المهدي (عليه السلام) يوضح هذا المعنى: “لكل وقت ومقام حال ولكل زمان وأوان رجال” تعبير له هنا بعدٌ روحي وسياسي واجتماعي؛ فكل جيل مأمور بأن يؤصّل الدين تنازُلاً عن التكاليف الشكلية الجامدة، لذا فإن الخطاب المهدوي الوظيفي يركّز على قطعيات الوحي وثوابت العقيدة، مع إعادة فهم المعاملات والمعاهدات ومظاهر الدولة بما يخدم تنمية الأمة وتوطيد العدالة، ومن هذا المنطلق، فإن رؤية الدولة الراشدة تنبني على انسجام مبدأ الإمامة الروحية مع مقاصد الشريعة في حفظ الدين والعدل والوحدة، بعيداً عن التعصّب للمظاهر والشعائر دون فكر.

● خامسا: أزمة الأسرة السودانية: الزواج الميسر ومعالجة العطالة والسكن والعزوبية
ولأن هذا اليوم سن فيه الإمام عبد الرحمن طيب الله ثراه تيسير الزواج؛ رأى الإمام الصادق المهدي يتناول فيه الأمر من زاويته الاجتهادية فبين أن الأسرة هي نواة المجتمع، وأن السودان يواجه أزمات متشابكة تعيق استقرارها: العطالة (البطالة)، السكن (أزمة الإسكان)، والعزوبية، وفي عدد من المناسبات والاحتفالات دعا لـ”هجمة” شاملة على هذه المشكلات، فقد نبه إلى ضرورة تيسير الزواج واعتباره “الحلّ البديل للعلاقات غير الشرعية” في مواجهة انتشار العزوبية، واستشهد في ذلك بتراث المهدية، مشيراً إلى العادات التاريخية: «قال الراجز: (المهدي جا من دنقلا قال: الفتاة بقرش كامل، والعزبا بالفاتحة)».
من الناحية التشريعية، يطالب الخطاب الرشيد بإجراءات مدعومة قانونياً: تشريعات تشجع الزواج المُيسّر (كافتتاح مكاتب وساطة ودعم مالي للمقبلين)، وتقييد الأمر بضوابط رادعة تمنع زواج الطفلات، وتعديل القوانين المتعلقة بالسكن لتسهيل توفير مساكن الشباب، وتشريعات دعم المشاريع الاقتصادية لمكافحة البطالة،  أخلاقياً واجتماعياً، وظل يشدد على نبذ ثقافة الكسل والاعتماد على الزينة المالية المبالغ فيها، وحض على استثمار قيم التضامن والاعتماد المتبادل، وقد جسّد بذلك الخطاب الخطاب قيمة تواضع الإنفاق على المناسبات، إذ أشار إلى أن “الصرف على المناسبات يكون محدوداً وأي زيادة سفه يعاقب عليها الناس”.
> بإيجاز يسعى مشروعه عليه الرضوان إلى إعادة ترتيب أولويات المجتمع: تسهيل إنشاء الأسر  على الأسس السوية وتخفيف أعبائها المالية، وخلق حوافز عمل وإسكان، والعمل على ترسيخ العزلة الاجتماعية (العزوبية) بالرباط الشرعي؛ وكل ذلك ضمن رؤية أخلاقية توزّع الثروة، وتعزّز قيمة العمل، وتضع الإنسان في مركز اهتمام السياسات (كما في قوله: “ {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} [الإسراء : 13]” ضمن آيات الإسراء لتذكير البشرية بالقيمة المعنوية للفرد).

● سادسًا: الإسلام مرجعية عالمية للعدالة الدولية البديلة
يتوخّى الإمام الصادق المهدي من الإسلام إعادة تشكيل النظام العالمي نحو عدالة شاملة؛ فيرفض هيمنة العولمة القائمة على أقطاب قوة ضيقة، ويرفض وصفها بديلاً “عادلاً”، مشيراً إلى أن «العولمة، في ظروف التوزيع الحالي للقوى الاقتصادية والعسكرية، أدت إلى هيمنة أمريكية أو غربية»، لكنه يرى أيضاً أن توحّد العالم -إذا تجنّب هيمنة طرف- يُقْبَل بوصفه تمهيداً لعولمة حقيقية حميدة، ولهذا يعتبر أن “العالمية” في الإسلام تناسب دعايته الكونية، لأنها تعترف بالإنسانية كغاية في ذاتها وتقبل التعدّدية (الدينية والثقافية) وحرية الرأي والإيمان.
إن مركزية هذا المنظور في الرؤية المستقبلية تعني السعي إلى بناء سياسات خارجية تعتمد على ميثاق إسلامي عالمي لحقوق الإنسان يكفل: مبادئ العدل والمساواة والكرامة، فالإسلام، كما أوضح، قدّم للبشرية نظاماً عالميًا يكرِّم الإنسان (﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾)، ويؤسّس لتعددية ديمقراطية بين الأمم بدون إقصاء أو تمييز مبني على الدين أو العرق.
> وفي سياق الدولة السودانية المستقبلية، يُترجم ذلك إلى سياسة خارجية نشطة: دعم التضامن الإسلامي بين الأمم "نداء المهتدين"، ورعاية مبادرات العدالة الدولية (المحاكم، ومكافحة الفساد العالمي، وإصلاح المؤسسات الدولية وفق مبادئ الشريعة الحقة)، وتُضاف إليها تقوية التبادل الحضاري والثقافي وحوار الديانات "نداء الإيمانيين"، ومع كل أرجاء العالم على أسس الحوار العقلاني والقيم الإنسانية المشتركة "حوار الحضارات"، فالإمام يرى أن “خصوصية الإسلام ليست تعصبًا وإنما خصوصية تلبية موزونة لكل مطالب الإنسان” واحتياجاته العشر، وهذا يشمل العدالة الكونية التي لا تقوم على الغلبة بل على حجج مقبولة لدى كل ضمير إنساني.

● سابعًا: نحو الدولة السودانية الراشدة
بتجميع هذه الركائز، ترسم رؤية الإمام الصادق المهدي ملامح وثيقة مانيفستو مستقبلية للدولة السودانية الراشدة.، دولةٌ تنطلق من اعتناق “الإسلام كمنهج حياة” لا كسُلطة دينية فحسب، تتفاعل فكريًا مع الواقع وتسعى لابتكار تشريعات تلائم مقاصد الشريعة، وتقوم على إحياء قيم التضامن والعدل والشورى: مجتمع حيوي يعرف دينه بالوحي، ويطبقه بالعقل، ويجربه بواقعه.
في هذه الرؤية، تتعانق القيم الأخلاقية (التواضع في التكاليف، تشجيع العلوم، رعاية الأسرة، وإقرار حرية الضمير) مع الإجراءات التشريعية (تيسير الزواج، تأمين العمل والسكن، ودعم التعليم والإبداع)، ومعها تتبوأ الدولة موقعًا فاعلاً في نظام عالمي جديد، تبحث عن السلام والعدل في إطار عالمي تعدُّدي.

● ختامًا: إن مشروع الإمام المتجذّر في التراث والذي لا يعيقه الجمود، يشكّل خارطة طريق شاملة. فهو يستمد من الإسلام «معجزاته الدائمة» – من نصوص القرآن المجددة في ثناياها – روحًا فاعلة تُسعى بإيمانه المحّيي أن تعيد بناء الأمة السودانية على أسس العقل والشريعة والعمل الصالح، وهذه الوثيقة المستقبلية – مستوحاة من خطاب الإمام – تدعو إلى نهضة شاملة تجسّد الوسطية الإسلامية كمنهج عملي يُعلّق موازين حياة الشعب بين الشرع والإنسانية، بين السماء والأرض، فتولد من تفاعلها دولة سودانية راشدة.



- المراجع: الكلمات المقتبسة وردت في خطب وأبحاث الإمام الصادق المهدي، والتي تحدّث فيها عن أصول الاجتهاد في الدين، ومفاهيم الإسراء والمعراج، والمهدية الإحيائية، وقضايا الأسرة السودانية، وعالمية الإسلام.

الخميس، 8 يناير 2026

حرب الألف يوم

بعد مرور ألف يوم، المشهد السوداني  الماثل أقرب إلى دولة تتشقق على مستويات متوازية، تشققات جغرافية ومؤسسية واجتماعية وتشريعية في آن واحد، فالصراع انطلق بوصفه قطع طريق للسلطة المدنية وتحول إى معركة سلطة لاستعادة أذرع النظام المحلول مواردهم ووظائفهم التي اغتنموها بانقلاب 1989م، ثم استحال إلى نمط حياة قسري يعيد تشكيل الاقتصاد والمجتمع والسياسة، حينها بنية الحرب صارت تبتلع مؤسسات الدولة تدريجيًا، وتؤسس اقتصادًا يقوم على الإتاوات والتهريب والسلب المنظم، بينما يُدفع المواطنون إلى نزوح دائم يتجاوز فكرة الطوارئ إلى واقع معيش.

في الجغرافيا والمناطق انتقل مركز الثقل عبر مراحل، في البدايات كانت الخرطوم مسرح الصراع الأبرز، ثم تحوّل الميزان تدريجيًا غربًا مع تصاعد دارفور وكردفان، خلال عام 2025م أعلن الجيش تحقيق تقدم واسع في العاصمة والولايات الوسطى "سنار – النيل الأبيض- الجزيرة" وترافق ذلك مع حديث متكرر عن حسم معركة الخرطوم لصالحه، وعودة السيطرة إلى مساحات كبيرة من الولاية، في المقابل عمّقت قوات الدعم السريع حضورها المسلح في كل ولايات دارفور وأغلب ولايات كردفان، وتحول الحصار في الفاشر ومحيطها إلى عنوان أبرز ثابت حتى سيطرة الدعم السريع عليها، والصورة العامة تشير إلى مسرحين متوازيين للحرب: مسرح العاصمة والوسط حيث تتقدم قوات الجيش وفق معطيات 2025م، ومسرح الغرب حيث ترسخ قوات الدعم السريع نفوذها وبسط هياكل سلطة موازية لسلطة الأمر الواقع في بورتسودان.

على مستوى وظائف الدولة تكشف الألف يوم عن انهيار متدرج للخدمات وتحول المؤسسات إلى هياكل تعمل بالحد الأدنى وتتحرك وفق مقتضيات المعركة أكثر من احتياجات المجتمع واستعاد النظام المباد بسط سيطرته على كل مفاصل الدولة، فالقطاع الصحي والتعليمي شهدا شللًا واسعًا، وشبكات الكهرباء والمياه تآكلت، ومسارات الإمداد الإنساني تحولت إلى أدوات تفاوض ومساومة ومصدر تكسب وغنى لعناصر الحزب المحلول والفاسدين الذين يحمونهم في هياكل السلطة، والأزمة الإنسانية صارت معيارًا أساسيًا لقراءة الحرب دوليًا، مع ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها، وأرقام أممية تضع السودان في صدارة أزمات النزوح عالميًا، وتؤكد أن التهجير القسري أصبح ظاهرة بنيوية مرتبطة باستمرار النزاع.

أما في ميدان الشرعية السياسية فقد أنتجت الحرب فراغًا عميقًا، لأن السياسة فقدت مركزها، والقوى المدنية تعاني تشتتًا واضحًا، والتحالفات التقليدية تآكلت، بينما تمدد نفوذ من يملكون السلاح والمال وشبكات التعبئة، وفي هذا الفراغ تشكل خطابان خطيران: خطاب “الضرورة العسكرية” الذي يمنح الحرب غطاءً مفتوحًا باسم إنقاذ الدولة، وخطاب “التفويض المناطقي أو القبلي” الذي يضفي على العنف طابع الحماية المحلية، وكلا الخطابين يعمّق الانقسام ويقوض أي أفق لعقد اجتماعي جامع.

داخل هذا المشهد يبرز دور الإسلامويين الموالين للجيش كعامل بنيوي في إدامة النزاع، وهذا التيار يعمل بوصفه محركًا دائمًا لتغذية الحرب، لأن أي نهاية تقود إلى انتقال مدني متوازن تفتح ملفات مساءلة، وتعيد تعريف الجيش كمؤسسة قومية مهنية خارج الهيمنة الحزبية، وتفكك شبكة الاقتصاد السياسي التي تشكلت عبر عقود وتنزع موارد أمراء الحرب من عناصر الحزب والحركة المحلولين،  منذ اندلاع الصراع قدّم هذا التيار نفسه وصيًا على الدولة، ثم دفع عمليًا نحو ترسيخ معادلة تجعل استمرار الحرب مرادفًا لاستمرار نفوذه داخل المؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصادية، وربط “كرامة الجيش” باحتكار القرار داخله، وتحويل مفهوم الدولة إلى رهينة مشروع يقوم على احتكار الوطنية والدين وتعريف الخيانة، يمثل قراءة مصلحة سياسية صلبة، لا مجرد توصيف أخلاقي، والخشية من صناديق اقتراع حرة، ومن ترتيبات انتقالية تقيد الأجهزة، ومن مساءلة تاريخ التمكين، دفعت هذا التيار إلى اتخاذ الحرب ملاذًا استراتيجيًا.
على مستوى مسار الحرب نفسه، ظهرت تحولات مؤثرة خلال عام 2025م، وفي الميدان، انتقلت المواجهة من “حرب العاصمة” إلى “حرب الأطراف الحاسمة”، استعادة مواقع رمزية في الخرطوم، بينها القصر الرئاسي، منحت الجيش مكاسب معنوية، غير أن هذا التقدم لم يغلق الصراع، إذ ترافق مع تعمق جبهة الغرب، قوات الدعم السريع ركزت عملياتها على دارفور والفاشر وكردفان، وبرز نمط حصار يتبعه اقتحام ثم سيناريوهات معدة للانتهاكات، مع تقارير أممية وإعلامية عن مجازر واسعة وهو ما سيحدث حال استمرت الحرب، وهي بذلك تجاوزت اختبار رفع الأعلام في العاصمة وبورتسودان، ودخلت اختبار القدرة على تفكيك المجتمع والاقتصاد في الأطراف.

طبيعة العنف شهدت تصعيدًا نوعيًا، والمدنيون أصبحوا هدفًا مبرمجًا ضمن هندسة الحرب: حصار غذائي، استهداف مرافق علاج، اقتحام مخيمات نزوح، وانتقام جماعي وقصف تحت مسمى "إبادة الحواضن"، هذا النمط الموثق في تقارير دولية، يخلق دوائر ثأر طويلة الأمد، ويعقّد أي تسوية محتملة، لأن المجتمعات المتضررة ستطالب بضمانات عدالة وأمن قبل القبول بأي اتفاق سياسي.

في المسار السياسي التفاوضي، انتقل النقاش من ترتيبات وقف إطلاق النار إلى أسئلة أعمق تتعلق بشكل الدولة نفسها، ومن يدير الموارد، من يحتكر القوة في الأقاليم، من يعيد بناء المؤسسة العسكرية، ومن يوفر حماية حقيقية للمدنيين، وهذا التحول كشف مأزقًا واضحًا: أي تسوية سطحية توقف النار مؤقتًا تعيد إنتاج العنف، والمسار المطلوب يحتاج بنية ضامنة تشمل رقابة فعالة، عقوبات رادعة، مسار عدالة واضح، وترتيبات أمنية قابلة للتطبيق.

في ضوء الحراك الدبلوماسي الذي تقوده واشنطن والرياض مع مطلع عام 2026م، تظهر رغبة في كسر الجمود عبر هدنة إنسانية تمهّد لوقف نار أوسع، وهذا المسعى يمتلك نقاط قوة واضحة، أبرزها أدوات الضغط المالية والسياسية، حيث تمتلك واشنطن منظومة عقوبات فعالة، وتملك الرياض شبكة تأثير إقليمي وعلاقات مع أطراف متعددة، والتركيز على البعد الإنساني يفتح مدخلًا أقل حساسية من التسوية السياسية الشاملة، ويوفر خطوة أولى قابلة للقياس، كما يتيح توحيد رسائل الشركاء إذا أُدير التنسيق بعناية.

في المقابل توجد نقاط ضعف قد تقوض هذا المسار، فاقتصاد الحرب أصبح أقوى من خطاب السلام، وشبكات الربح من النزاع ستقاوم أي وقف ثابت، وداخل معسكر الجيش تتعدد مراكز القرار، ويبرز دور الإسلامويين الموالين بوصفهم عامل تعطيل مباشر، إذ يرون في أي مسار يقود إلى انتقال مدني تهديدًا وجوديًا، وأدواتهم في التعطيل تشمل ضخ خطاب تعبئة يصور التفاوض كاستسلام، استخدام واجهات اجتماعية وميليشياوية لتوسيع رقعة القتال باسم الدفاع عن الدولة، وإعاقة أي نقاش حول إعادة هيكلة الجيش أو العدالة، وارتكاب فظائع في مجتمعات محايدة لإقحامها في الصراع وتنظيم انتهاكات تنسب للدعم السريع، ووجودهم داخل المفاصل الاستخباراتية والأمنية يجعل أي اتفاق من دون قيود صارمة على نفوذهم معرضًا للنسف من الداخل عبر افتعال حوادث أمنية، أو حملات تخوين، أو مناورات ميدانية تعيد الاشتعال، إلى جانب ذلك، تبقى مسألة الضمانات حاسمة، فهدنة تخلو من آلية مراقبة وعقوبات فورية تتحول إلى إعلان نوايا بلا أثر.

خلال عام 2026م تبرز ثلاثة سيناريوهات مرجحة: الأول يتمثل في هدنة إنسانية قابلة للتمديد، تبدأ بتثبيت مسارات الإغاثة وترتيبات مراقبة ثم حوار سياسي أوسع، ويتطلب نجاحه ضغطًا صارمًا على خطوط التسليح والتمويل وعقوبات واضحة على المعرقلين، والثاني يقوم على تهدئة قصيرة يعقبها تصعيد أعنف، وهو سيناريو محتمل إذا جرى التعامل مع الإسلاميين الموالين للجيش كعامل ثانوي رغم كونهم محركًا رئيسيًا لإدامة الحرب، والثالث يقوم على تسويات مجزأة في بعض الجبهات مع استمرار نار منخفضة في أخرى، ما يطيل عمر التشظي ويحوّل السودان إلى خارطة نفوذ متقطعة ربما تفتح الباب على مصراعيه للتدخل الدولي بموجب الفصل السابع أو دخول دول بصورة منفصلة تحت دعاوي محاربة الإ رهاب.

لذلك فإن رفع فرص النجاح لأي مبادرة يقتضي تسمية المعرقلين علنًا، بما يشمل شبكات الإسلاميين الموالين للجيش، وربط ذلك بعقوبات شخصية وتجفيف موارد، كما يتطلب حماية مسار مدني حقيقي يضم القوى المدنية والمجتمعات المتضررة، وإنشاء آلية مراقبة دولية أو إقليمية للهدنة وفتح ممرات الإغاثة مع تقارير علنية منتظمة، إلى جانب خارطة طريق واضحة لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أساس قومي مهني خارج قبضة الحزب وميليشياته المتطرفة والاقتصاد الموازي.

السبت، 3 يناير 2026

البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟!

البرهان: هل يريد مصالحة الاصطفاف أم عقد الدولة؟


عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com


● فوق ركام القصر الجمهوري القديم "قصر الجلاء" وفي خطاب الأول من يناير 2026م، بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال، قدّم الفريق أول عبد الفتاح البرهان عبارة ذات وقع مريح في ظاهرها: “باب المصالحة الوطنية مفتوح” مع تأكيد أن “السودان يسع الجميع”، مترافقة مع نبرة حرب مهتزة وبصوت متهدج تصف ما يجري بوصفه معركة استقلال جديدة وتَعِد بحسم عسكري قريب. هذه الصيغة الخبيثة، في ميزان السياسة زمن النزاع، تُقرأ رسالة محسوبة السقف، تُدار بمنطق العبارة الجامعة التي تُبقي الاحتمالات متداولة، ثم تُنزَّل ميدانيًا وفق مقتضى القوة ومقتضى الشرعية معًا.


● المصالحة في هذا السياق المضطرب تكاد تنفصل عن معناها المجتمعي الذي يستدعي الاعتراف بالأذى، وترتيب جبر الضرر، وإصلاح بنية الدولة، وصيانة الحقوق بضمانات نافذة، والاعتراف بالحقيقة، لتقترب من معنى آخر يرمي إليه البرهان وهو: توسيع معسكر السلطة عبر الاستيعاب، وصناعة قبول سياسي قابل للتسويق داخليًا وخارجيًا، مع بقاء مركز القرار محروسًا بمنطق الضرورة الحربية، وهكذا تتحول المصالحة إلى عملية ضمّ سياسي أكثر من كونها عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين الدولة والمجتمع.


● في قاموس الخطاب البرهاني، تتكرر ثلاثية ثابتة رديئة الحبك: توصيف الحرب بوصفها معركة سيادة وكرامة، ثم مناداة القوى “الوطنية” للالتفاف حول الجيش والدولة، ثم فتح الباب لمن يلتحق بهذا الصف، وعند هذا المفصل تتشكل مصالحة الاصطفاف؛ مصالحة تُقاس بدرجة القرب من مركز السلطة زمن الحرب، لا بدرجة القرب من روح الوطن زمن السلم؛ ويصبح المعيار موقعك من الميدان، ثم تُمنح اللغة ما يلائمك من مفردات السعة والتسامح والبيت الجامع؛ ولكن كل ذلك ينهار أمام شحوب وجه البرهان وكلاحة وفداحة مشهده التصويري.


● في مدرسة الفكر الوطني الديمقراطي ظللنا نردد أن المصالحة عمران أخلاقي وسياسي: تتحول فيها الدولة من حَكَم طرفي إلى حَكَم عدلي، وتنتقل القوة من وظيفة غلبة إلى وظيفة حماية، وتنتظم الذاكرة الجريحة عبر مسار عدالة انتقالية يداوي ويُحاسب ويمنع التكرا، أمّا مصالحة الاصطفاف فتنقل المجتمع من انقسام إلى انقسام آخر، من انقسام السلاح إلى انقسام الشرعية، ومن انقسام الجبهات إلى انقسام المجال المدني ذاته، ومن انقسام الجغرافيا إلى انقسام الاثنيات.


● العبارة المعلنة واسعة للغابة؛ غير أن الحدود تُفهم من المرافقة الخطابية: وعد بالنصر العسكري وربط المصالحة بالسير في طريق المعركة، وعند هذه المرافقة يتخلق استثناء ضمني؛ المصالحة تُفتح أساسًا لمن يبدّل موقعه باتجاه معسكر الدولة أو لمن يُقبل ضمن ترتيبات داخل المعسكر المدني غير المسلح، بينما الطرف المسلح المقابل تُطرح معه شروط تُشبه تسوية من بوابة الانسحاب، فتغدو المصالحة معه صورة مؤجلة أكثر من كونها مسارًا تفاوضيًا متكافئًا.


● وبذلك تتوزع المصالحة على مسارين متداخلين: ترتيب الحاضنة المدنية حول القيادة العسكرية عبر استدعاء قوى إلى بورتسودان وإبعاد أخرى وتقسيم المجال العام إلى “وطني” و”مُعطِّل”، والتقاط الأفراد من الضفة الأخرى عبر منافذ عودة ووعود وظيفة وانتقال تُفكك الخصم من أطرافه مع إبقاء الرأس السياسي والعسكري خارج الاعتراف، وهذه هندسة مجال سياسي في سياق حرب طويلة أكثر من كونها إعادة تأسيس دولة على قواعد مشتركة.


● إن اختيار البرهان منصة الاستقلال السبعينية لإطلاق خطاب المصالحة يمنح العبارة أدوارًا ثلاثة في آن واحد:

  1. داخليًا، تُصنع شرعية الصبر؛ ففي حرب تطول يتضخم الإرهاق الشعبي ويحتاج مركز السلطة إلى خطاب يوازن بين التعبئة والتنـفيس، فتعمل المصالحة صمامًا اجتماعيًا يمنح جمهورًا متعبًا أفقًا سياسيًا من غير تغيير جوهر المعادلة الميدانية. 

  2. خارجيًا، تتشكل لغة قابلة للتسويق الدبلوماسي؛ فالعواصم والوسطاء يبحثون عن مفردات مرونة، وجملة “باب المصالحة مفتوح” تصلح للاقتباس وتغليف الموقف بوصفه قابلًا للحل السياسي. 

  3. تنافسيًا، تُسحب مركزية الحل نحو القيادة العسكرية بوصفها الممر الإجباري لأي تسوية، فتتحول المصالحة إلى مظلة تصنيف: شراكة لمن يدخل تحتها واعتراض معزول لمن يقف خارجها.


● لذلك أقول: أن المصالحة الجذرية تُقاس بأفعال قابلة للتحقق، فالمعيار برودة الإجراء المنضبط لا حرارة العبارة، وعلاماتها العملية تشمل القبول بهدنة ووقف إطلاق النار وحماية المدنيين بإجراءات معلنة قابلة للرصد، وفتح مسارات إنسانية موثقة، وجدول ترتيبات أمنية تدريجي واضح المعالم يضع السلاح في موضع وظيفي داخل الدولة، والتزامًا صريحًا بعدالة انتقالية تشمل الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار، إضافة إلى تفكيك اقتصاد الحرب عبر شفافية الموارد وضبط الجبايات وتحييد التمويل المسلح وفتح ملفات التعاقدات العامة وتفكيك الدولة الخفية الاي أججت الحرب ويحتمي البرهان بظلالها. في المقابل تظهر المصالحة التكتيكية في لجان بلا ولاية، ومؤتمرات بلا ضمانات، وحوارات تُدار لتجميل صورة السلطة ثم تُترجم إلى حصص ومقاعد وواجهات، حيث يتحول الحق الجماعي إلى عرض سياسي، والعقد المُلزِم إلى حملة علاقات عامة، وتتجسد مناورة الشرعية.

● كما أن طرح الواجهات المدنية والشبابية والمهنية والنسوية يحمل قابلية عالية للاستعمال زمن الحرب ضمن مشروع مصالحة على مقاس السلطة: إنتاج مجتمع مُعترِف بدل بناء دولة مُنصِفة. هنا تتبلور مفردة تصلح للتداول: شبكات القبول؛ شبكات تُصاغ عبر التمويل والرعاية والإعلام، ثم تُقدَّم للعالم باعتبارها الصوت المدني، بينما المجتمع الحقيقي يتفكك تحت وطأة النزوح والجوع والخوف، وعندئذٍ تصير المصالحة إعادة هندسة للمجال المدني: من يمثل ومن يتحدث ومن يجلس قرب الطاولة ومن يُترك خارج الصورة.

● في ضوء بنية الخطاب البرهاني، تميل التطورات إلى ثلاثة اتجاهات كبرى: 

  1. مسار استيعاب سياسي يتوسع عبر لقاءات ولجان بعنوان المصالحة مع انتقاء مدروس للمدعوين وتدوير خطاب السعة بوصفه تفويضًا لتجميع الحاضنة كما حدث في حوار الوثبة البشيري، 

  2. ومسار تصلب عسكري مع بقاء العبارة متداولة بينما يظل الميدان الحكم الفعلي، 

  3. ومسار ضغط خارجي يفرض إجراءات جزئية مثل هدن إنسانية محدودة وخطوات إجرائية تحت ضغط الوساطة مع احتفاظ مركز السلطة بسقف سياسي مرتفع. هذه الاتجاهات تُظهر كيف تعمل الكلمة السياسية زمن النزاع: تُفتح الأبواب لغويًا وتُقفل الممرات بنيويًا.

● ختاما: أؤكد أن المصالحة التي تليق بالسودان تقوم على قاعدة واحدة: الدولة تتسع للجميع عبر القانون والحقوق، لا عبر الاصطفاف. فإذا بقيت المصالحة رهينة الالتحاق بالصف تحولت إلى مشروع لإعادة ترتيب الولاءات، وصار الاستقلال شعار تعبئة، وتحول الوطن إلى مساحة امتحان للانتماءات. الميزان الحاسم يظل ميزان التحقق: حماية المدنيين، خارطة ترتيبات أمنية، أساس عدالة انتقالية، وتجفيف اقتصاد الحرب. عند تحقق هذه العلامات يدخل السودان بوابة مصالحة تعيد بناء الدولة، وعند بقائها في حدود العبارة يلوح فصل جديد من مناورات الشرعية في زمن حرب ممتدة.


الخميس، 1 يناير 2026

ما فاتنا طوال سبعين عامًا: رؤية استراتيجية عساها ترى النور ولو بعد حين

ما فاتنا طوال سبعين عامًا: رؤية استراتيجية عساها ترى النور ولو بعد حين


عروة الصادق

orwaalsadig@gmail.com 

تمهيد

أكتب هذا المقال لابنتي صافية وبني وبنات جيلها عساهم يظفرون بما لم نحققه ولم ندركه، فمثل هذا اليوم قبل سبعين عاما ووسط فرحة الاستقلال ورفرفة العلم الوطني، فتحت أمام السودان صفحةٌ ملؤها الأمل والعزيمة، وفي لحظة الانتصار هذه، اجتمع الامام عبد الرحمن المهدي رفقته رجال ونساء صمموا على الحرية ورسم خطوطها وتحديد مسارها وخياطة ورفع رايتها، ووحدوا بذلك وجدان الأمة بعد سنوات الكفاح لتؤمن بأن زمن التبعية غاب، وأن كرامة القرار الوطني انتصرت؛ ولكن مع أن البهجة كانت عارمة، اكتشفت أجيالنا الحالية سريعًا أن التحرير الرسمي لم يُصحبه تأسيسٌ مؤسسيٌّ كامل؛ فقد بقي الانتماء للسودان رفعة في الوجدان وعبارة جميلة في الشعارات، بينما ظلت إدارة شؤون البلاد متذبذبة وخالية من قاعدة حكم ثابتة، لذلك لم يكن الاستقلال تاريخًا يكتفى بالاحتفاء به فحسب، وإنما وعدًا بانجازٍ مستمر، وبناءٍ يحتضن التنوع وتعززه المصالح المشتركة بدل من أن يجهز عليه الصدام الجزئي.

التجربة السودانية خلال سبعين عام تكشف عن ثلاثة أسسٍ انعدمت أو تأجلت، فأفرغت جوانب الاستقلال من معناها العملي: تأسيس عقد وطني لم يكتمل، وتحرير الدولة من سلطة السلاح المؤجلة، وتحويل الهوية الجامعــة إلى منطق حكم عوضَ الاستقطاب المستمر، فغابت القواعد الدستورية الصريحة التي تعرّف العلاقات بين المواطنين والدولة، فنمت دولةٌ تقاسُ بقوانين تنساب تحت الرغبات وتبدّلها مزاجات القوة ونزوات العسكر، تركنا أيضًا تركيبة العلاقة بين الدين والدولة عُرضةً للجدل، فاختلط خطاب الشريعة بالسياسة فخلق انقسامات ثيوقراطية/ علمانية عميقة، وكان الاقتصاد متنفسًا لانتفاخات المحسوبية بدل توفير عدالة توزيع تُنمي الانتماء الوطني، واستجابت ثقافتنا السياسية للأزمات بعاطفة حماسية سريعة تفتقد التنظيم والنضج المؤسسي. وفي كل ذلك ظل «السلام الدائم» بعيد الأفق حين اعتُبر حلقةً انتقالية فقط، لا جزءًا من تنظيم الدولة نفسه.

هذه الوثيقة أحاول فيها قراءة ما فاتنا طوال سبعين عامًا بعيون اليوم: بدمج التاريخ والواقع مع الرؤية الاستشرافية لسنوات قادمة، وهدفها ليس إلقاء اللوم أكثر من استخلاص دروس البناء، فالدولة الراشدة التي نطمح لها هي تلك التي تُعقد فيها المواطنة الدستورية وتَشرف سيادتها المدنية على القوة، وتُدار بالمشاركة لا بالسيف، ويكون الإنتاج الاقتصادي منصفًا لا منه، ولا تزال الفرصة قائمة لتحويل طاقتنا وحماستنا إلى عقد جديد يحيي الاستقلال المعنوي ليكتمل عملاً وقانونًا، وإعادة صياغة الميثاق القومي الجامع تحتاج حوارًا عميقًا وشاملاً، يضع للصراع أدوات سياسية بدلاً من كونها مواجهات حادة.

في أجزاء متتالية، سأستعرض مفصلاً المحاور التي صاغت مسارنا خلال سبعين عام:

  • العقد الوطني المؤجَّل: غياب دستور وجامع مدني.

  • معادلة السيادة والقوة: تنازع الشرعية السياسية مع الأجهزة العسكرية.

  • الهوية الجامعة: من تعدد مصطلحات إلى تكامل رؤى.

  • الشرعية وهندسة الحكم: الرضا العام مقابل آليات السلطة.

  • الاقتصاد والعدالة الاجتماعية: كيف تحول الرأسمال إلى شبكة امتياز.

  • الثقافة السياسية: من تفاعل انفعالي إلى بناء مؤسسات.

  • الدين والدولة: صياغة مرجعية قيمية جامعة.

  • المركز والهامش: تصحيح اختلال التوزيع المكاني.

  • السلام وإدارة التنوع: بناء الأمان الشامل بدلاً من التسويات المؤقتة.

  • أفق الاستقلال المتجدد: مقتضيات «الاستقلال الثاني» ودور كل القوى.

تلك الرحلة الفكرية تأتي مدفوعة بالاعتبار التاريخي ورغبة في استكمال المسيرة، أعواننا هم قيم الشورى والديمقراطية الحقيقية، المنقاة من تجزيء الأحزاب والانقسامات الحزبية، فتكسبها بعدًا حكوميًا وضامنًا، لعلنا نستعيد بتلك الرؤية قوة إرادتنا الوطنية، فينتشلها الاستقلال الجديد من أطياف الاستبداد الداخلي ونماذج السيطرة القصيرة، ويدعمه الحشد الشعبي في الداخل والدعم الإقليمي والدولي معًا لأفقٍ يكمل ما شرعته الأجيال الماضية من طريق نحو وطنٍ متجدد.

العقد الوطني المؤجَّل

عند لحظة الاستقلال الأول ظنّنا أننا نضع الأسس لدولة مدنية مرتسمة، غير أننا اكتفينا بأحتفال رمزي بانتهاء الاحتلال، فقد مكّننا هذا التحرير من السيادة السياسية لكنه غاب عن تحويله إلى دستور دائم وواضح يُنظم عمل الدولة والحقوق والحريات، ما لبث أن بات «الاستقلال» ذكرى مفرحة في النشيد والاحتفال، بينما أحكام الواقع السياسي تعرضت لانزلاقات، والعقد القومي الجامع أي الميثاق الذي يُفصِّل «من نحن» و«كيف نتحاور ونقود» و«أي أسس تحكمنا "كيف نُحكم"»، ظل نداءً في الخيال السياسي لا قاعدة ثابتة.

نتيجة ذلك انتشرت في بداية المرحلة ما يشبه حكومةً عريضة بلا رسم؛ أجوبةٌ جزئية لأسئلة الفوضى المؤقتة: من يحكم؟ بمَن؟ وبأي صلاحيات؟ كل قوة تحمل تاريخًا أو مكانًا أو صوتًا، حاولت وضع تفسير وعيها الخاص لدور الدولة، فكان النهج يسير وفق مراكز النفوذ الآنية: تتشكل السلطات على مقاس المؤثرين في كل دور سياسي، ولا يضبطها نص شامل، فأصبح السودان مختلفًا من عهدٍ إلى عهد: ما أن تتبدل صُفوف الفاعلين، حتى يتبدّل معها وجه الدولة ومسارها، ووسط هذا التناوب، تضاءلت القيمة الحقيقية لـ«إرادة الشعب»؛ إذ أيّد قرارٌ يصنعه من يملك القوة مهما تراجعت معه ثقة الشعب، وهذا انتقص من العقد الوطني الذي يجب أن يعطي الدولة شرعية دوامها.

في الفكر الإصلاحي للآباء المؤسسين كان العقد الوطني هو «عقد المواطنة» الأول: وثيقة وقناعة مشتركة تفوق أي طوائف أو كيانات، وتحكم عمل السلطة والقانون. هذه المعادلة يعني أن الدولة لا تُدار من أعلى إلى أسفل ضد معارضة الداخل أو الخارج، ولكنها تقوم السلطة فوق التوازنات السياسية، وتكون مقيِّدة بآلياتها، وعندما تغيب هذه الممارسة، يصبح الأداء السياسي عرضة لتقلب المزاج والولاءات، ما يستدعي الاستمرار في إعادة التأسيس من الصفر في كل منعطف.

درسان علي هذا: أن أية محاولة بناء دون عقدٍ دستوري جامع ستفشل في توفير المأوى القانوني للمواطن، وسيستمر الوضع كما هو: صراع دائم بين تناقضات تارة تفرز حكومة هشة، وتارة أخرى تجبرها على مفاوضات طارئة، وإذا أردنا أن يسجل الاستقلال فعلاً في سجل الحكم، لا شك أن علينا العودة إلى صياغة عقد قومي جديد، عقدٌ يُقرّ بمحورية الدولة الحارسة لجميع المكونات، وينقل الوطنية من مجرد شعور إنشادي، إلى ملكة مدنية يؤمن بها الجميع، بمشاركة كاملة في صنع مستقبل بلادهم.

معادلة السيادة والقوة

قضية أخرى أساسية تمثل فخًّا في تاريخنا: كيف تتوزع السيادة بين السياسة والسلاح؟ بعد الاستقلال ظل السؤال دون رد نهائي: "هل تخضع القوة للمبادرة السياسية المدنية؟" أم تظل السياسة رهينة القوة المهيمنة؟ تشكلت في السودان، عمليًّا، دولة ذات شطرين؛ شطر يُفوِّضُه الناس عبر صناديق الاقتراع والأحزاب، وشطرٌ يرى أنّ دوره حماية الوطن بالذخيرة والبطولات، فليس أسلوبه الاعتيادي صناديق انتخاب وإنما «أجهزة أمن» تتدخل عند الخلافات، كلا الجانبين اشتغلا أحيانًا بالتناوب: تارة يظهر هويته السياسية بوصفها إرادة عامة، وتارة يقحم السلاح باعتباره حارسًا للمسار.

في أيام السلم النسبي اتخذ البعض مقاربة تعتمد على «استقرار الشرعية»، وتظهر الدولة بأحزابها هي رأس السيادة، ثم تمر لمسات التوتر فتظهر فجأة أن الجيش والمخابرات يعتبرا أن مصالح الوطن تصبح مسؤوليتها الحاسمة، وقد تُخرج سياسيًّا ما إذا شعر بالتعثر، وفي دقائق التوتر هذه، تنسل خلايا القوة من المراقبة الطبيعية وتسلل الدبابات تحت جنح الظلام، مما يخلق مواقف تهدد بإلغاء حكومات مدنية، والنتيجة على مدى السنين كانت محصلة مريرة: الاهتزاز الدائم الذي يجعل الدولة تهتز بحدتها العسكرية أو تدفع بالمشاركات السياسية كلما زادت الاحتياجات الأمنية.

الفهم الذي أقدمه هنا، من مدرستنا، هو أنه ينبغي ترسيخ السيادة المدنية بحيث تخضع موارد القوة لمؤسسات الدولة لا أن تُسمَّر كأعضاء موازية لها. بعبارة أخرى، نحتاج لنظام تَضمّنه قواعد أخلاقية ومهنية للقوى المسلحة، مع قضاء عادل يحمي الشعب من أي استخدام فوضويٍ للسلاح. في هذه المعادلة، يبقى الجيش أداة وطنية تخدم الأمن العام، لا معرّفًا للدولة أو مانعًا من ذهابها إلى صناديق الاقتراع، وحين تضع الدولة خطوطًا واضحة لضبط القوة، وتضمن وصول الأشخاص المناسبين بإرادة مجموعة واسعة، تتعزّز فكرة أن الأحزاب والبرلمانات والمؤسسات هي الأصل في صنع القرار؛ وبذا تنتقل بلادنا من مناخ يقول فيه الطرف الأقوى «أنا»، إلى واقع ترى فيه الدولة المؤسسية «نحن» الموحدة وراعية للاستقرار.

الهوية الجامعة

في تجربتنا السودانية  ظل هيكل الهوية الوطنية تشكَّل من طبقات ثقافية ودينية وتاريخية وفكرية، تتراكم فينا روافد «المهدية»، و«الأنصارية»، و«الحركات العربية»، و«التنوُّر الأفريقي، والتنوع البانتيو نيلي والنيجر كنقولي والنايلوصحراوي»؛ كلّه يشكل نسيجًا ثقافيًّا ثريًّا؛ والرؤية الرشيدة في هذا المجال ترى أن هذه العناصر ليست عقبات، ولكن يمكن تأطيرها في «مركب هوية» جامع ومتعدد بثراء، فالهوية حين تكون مرآةً لانتماءاتنا الروحية والقومية، وتضمّ قيمًا وأعرافًا، فإنها تصبح حجةً للحوار والتلاقي، لأن بناء المواطنة يتطلب أن تشعر الجماعات المختلفة أنها جزءٌ من هذه الهوية الأوسع، لا أن تُظلم أو تُقصى، وألا تُحجب عنها قيمة الدولة بوصفها وطنًا لكل أبناء السودان.

أصبح الواقع مغايرًا: بدل أن تُوظّف التنوع في صنع الوحدة، تحوّلت الانتماءات إلى ساحة تلاسن حادة، وكل فئة كانت تبحث عن أكبر مساحة هوية تمثلها، ما أدى إلى إشاعة التعصب ونمو ثقافة الحسابات المفرطة، وغابت لغة «الوطن أولًا» أمام الأصوات المقتاتة على طبقات الهوية الفرعية الآحادية الاستعلائية. على سبيل المثال، حينما احتلت قومية عربية أو تطوعت عَشيرة دينية بتأييد حصري للسلطة، انحرفت معادلة الانتماء من هدف جماعي إلى وسيلة للنجاة السياسية، وهكذا صارت الهوية مسرحًا للخصومة، ولم تُبذل جهودٌ كافية لصياغتها في قانون اجتماعي أو دستور يُلزم الجميع بالمشاركة.

التسبيك والتشبيك الهوياتي يتطلب تجديد اللحمة الوطنية ويحتاج أن نعيد صياغة الهوية الجامعة صياغة تحكي تاريخنا دون أن تقصي فئتنا، وألا نرفض خصوصية أحد؛ لكننا نؤكد أن الاختلاف ينبغي أن يمثل مصدراً للتشارك، لا سببًا للتمييز. لهذا نحتاج لإقرار دستوري يوضح أن الجميع جزءٌ من السودان بأمر القانون، وأن القيم المشتركة (قيم الدين والأخلاق والإسلام والمسيحية والعروبة والأفريقانية والسيادة الوطنية) فوق الجميع، وأن اللغة الرسمية المكتسبة (العربية أو الإنجليزية أو أي لغة محلية) تساوي الجميع. حين نجعل من الجمهورية البوابة التي يحتكم إليها الجميع، تختفي فكرة أن لكل مجموعة وطنًا «خارج السودان» أو أن تكون له مطالب خاصة مستقلة؛ فالفهم استراتيجيّ يقود لحقيقة واحدة هي أن الهوية الجامعة ليست حصنًا للأغلبية فقط، ولكنها شبكة تحمي الحقوق للجميع، يقودها دستورٌ يشد عُرى التعايش.

الشرعية وهندسة الحكم

مصدر الشرعية في أي نظام هو رضا المجتمع ودرجة مشاركته في اختيار قيادته، وفي تجاربنا، ظل مفهوم «الشرعية» غامضًا في كثير من الأحيان؛ ففي بعض الفترات كان يُعتبر أن ربيع الثورة أو ذكرى التحرير يمنح الحاكم شرعيةً ضمنية، وفي أحيان أخرى استخدمت القوة والتعيينات حتى من دون انتخابات؛ فصار تعريف الحاكم «صاحب الوضع القوي»، ولم يقوَ الحكم على تجهيز آليات ثابتة لتحصيل رضا الشعب من خلال اختيارهم أو رضاهم الواقعي، بمعنى آخر لم تُنشّأ أطر ثبوتية للإدارة، فركنا إلى الإمارة قبل التعاقد.

الراسخون في المدنية كالإمام الصادق المهدي كان يرى أن الدولة لا تُحكم بامتياز شخوص ولكن بمبادئ تشتبك مع إرادة الناس؛ أي أن يكون هذا الأمر مقيَّدًا بقواعد محكمة، متجذرة ومتقررة في آليات معلومة، لكن على أرض الواقع كان تبديل الحكومة أو تغيير النهج يعتمد على حدث استثنائي أو انقلاب عسكري، فقلَّ تقليد الانتخابات المنظمة، واتسعت دوائر الضعف: المؤسسات صارت عرضة للارتجال، والانقسامات السياسية الحديثة قلّت فرص التسامح، وتصاعد الجدل بأننا «نحن شعبٌ حرٌّ ثائر» يجعل الحكم يستعد للتجدد حين يتوفر الزخم، ولكن القوة التي تعيده مرتكزًا قاعديًا للأزمة تبقي رهنية المسار السياسي لحظة اختيار.

غياب شرعية مؤسسية دفع البعض لتحويل الصراع السياسي إلى تجاذب بين نواب وجماعات، ومن الأزمات المعاصرة أن «إرادة الشعب» لم تنتظم في إطار انتخابي مؤسسي متين؛ فقد شهدنا حالات الانتخابات الشبه شعبية كما نشهد دورات تحول السلطة بالسيناريو الأمني، وهذا يصنع فجوة بين مفهوم «الدولة العقدية» – التي تستمد حقها من القواعد التي يرضاها الناس – وبين «الدولة الوضعية» – التي تظل عرضة لتوزيع المناصب حسب المتاح في اللحظة.

ما فاتنا في هذا الصدد أن ننقُل الشرعية من مجرد شعار أو مبادرة تنسى إلى هياكل حقيقية: انتخابات شفافة ونزيهة، وقضــاء مستقل عن سلطة التنفيذ، وتعزيز مؤسسات تشريعية وإدارية قادرة على استيعاب وجهات نظر المجتمع في صيغة قانونية راسخة. تلك الهندسة المؤسسية تمنع العودة إلى التصادم؛ فحين تُحسم مسؤولية اختيار القيادة بالآليات الانتخابية والقضائية الثابتة، يعود عمل الدولة إلى مساره الطبيعي.

الاقتصاد والعدالة

الإدارة الاقتصادية لم تجتز السودان اختبارها بالصورة التي نريدها. وكان للمشهد الريعي مثول واضح في تاريخنا: موارد وفيرة على الورق، وأحيانًا غير مستثمرة على أكمل وجه. وكافة الحلول التي وُضعت غالبًا ارتكزت على دعم فئات محددة أو مبادرات محدودة، بدل بناء هياكل إنتاجية تنموية وإنسانية عامة وعاملة؛ ونتيجة هذا فإن أي مبادرة أو قروض قُدِّمت لم تكن تستجيب لتطلعات العدالة، فقد خضعت قطاعات اقتصادية (كالمحاصيل الأساسية والتجارة الخارجية) إلى هياكل وراثية تتبع شبكة نفوذ، بينما مناطقٌ أخرى ما زال أهلها غائبين عن خارطة الحياة وخطط المشاريع التنموية.

في تجاربنا لاحظنا تسلّط تركيبات اقتصادية ضيقة: استُثمرت الأراضي الزراعية بما يخدم بعض العائلات أو المستثمرين القريبين من مركز القرار، وهيمن الاعتقاد بأن التبعية للمركز تكفي لكل شبر، وتُرك الجزء الأكبر من الإنتاج للشركات الزراعية الكبرى أو الصناعات المركزية، عوضاً عن ذلك كان يمكن تحقيق رأسمال وطني من توزيع الأنتاج على كل المواطنين، ولكن السياسات غابت عنها العدالة؛ إذ سادت دائرة الامتيازات على حساب توسيع دائرة الفائدة، وفي ظل هذا التوزيع المحوري ضاق هامش فئات كبيرة أو مناطق كانت تضخ الموارد من الهامش، لكنها لم تنل من مشروع التنمية الوطنية إلا بعض الفتات.

ماذا فُتِرَ خلال عقود؟ أنه لم تكتمل هندسة الإنصاف في اقتصادنا: أي وضع نظام يضمن توزيع العوائد العامة على كل الجهات بمقياس عادل. استئناف الاستقلال يتطلّب تغيير المعادلة، بحيث يصبح كل إنتاج مضرابًا للعدالة الاجتماعية. بما يعني: تطوير نظم ضرائب شفّافة وعادلة، وتخطيط شامل للمشاريع العامة يخدم عموم المواطنين، مع حماية سائر المناطق من التجاهل. وهذا بدوره يضمن تكوين فرص عمل لكلّ المجموعات، وتوفير الخدمات على قدم المساواة. فالاقتصاد المصحح بصورة حقيقية سيؤدي إلى انفراجة تزيل الاحتقان الاجتماعي؛ وحين يتحقق كل ذلك يصبح كسب الأمن مرتبطًا بتحقيق الثروة المشتركة، وليس بسيطرة فئة على الثروة فقط.

الثقافة السياسية

ثقافتنا السياسية هي الأصوات والمواقف والمناهج التي نبني بها الساحة العامة، وفيها تتبلور طبيعة التعامل مع الخلاف والتعدد. وفي بلادنا سادت خلال العقود السبع سمة التفاعل السريع مع الأحداث، مع ميل للأفكار الكبرى والرموز على حساب التدرج المؤسسي. فالسياسة اختلطت في غالب الأحيان بالغزارة التعبيرية والعصبية العشائرية، حتى صارت معظم النزاعات تتفاعل بسرعة دون أن تبنى عليها آليات حضارية للتوافق، وهيمنت لفترات طويلة قذارة الممارسة المتخندقة للأجندات الأيدولوجية.

لنأخذ مثالاً: حين تقام أركان نقاش أو تنظم انتخابات أو تنعقد مناظرات كبيرة، يرتفع التوتر سريعًا إلى أقصى الدرجات، ويشعر الجمهور أننا على أعتاب لحظة حاسمة يُستحق فيها العصيان أو الانفجار، فتنشغل الجماهير بمظاهر الاحتكام للأسماء والعلامات أكثر مما تنشغل بتقييم سياسات، وفي مثل هذه المناخات، خفت صوت الوسطاء الذين يمكن أن يلطّفوا الاختلاف ويحوله إلى حديث هادف. تبعًا لذلك فقدنا الحماس والاحساس بالمسؤولية وتخلينا عن الالتزام بالمؤسسية: المؤسسات السياسية (أحزاب، تجمعات، منظمات مجتمعية) باتت تأخذ طابعًا شخصيًا، وقد تكرّرت التجارب الانتخابية بشكل مفاجئ؛ وفي كل منها يعتري البلاد شعور بالبدء من جديد، دون أن تترسخ التجربة السابقة كمدخل لتعليم أساليب الإصلاح.

النتيجة ظلت إلى  يومنا هذا أن الرأي العام في كثيرٍ من الأوقات اعتاد على الوصائية و«نهاية العالم» مع كل خلاف حاد. ولم يبقَ لدى بعض القوى الحافز للبحث عن حلول تدريجية، وذهب بعضها نحو الحلول الكبرى بثقة غامرة بأن الانقلاب أو الانفجار هو الطريق الأقصر والأمثل. وهكذا عندما يتعطّل الحوار تسود فكرة أن على المعترضين التصعيد أو المغادرة، فيما يقفل آخرون على أنفسهم في دائرة فرض الانضباط بالقوة، لذلك فإننا بحاجة إلى استيعاب درسين: أولاً، أن البناء المؤسسي يحتاج إلى زمن أطول من لحظة الغضب، وثانيًا، أن العمليات السياسية تستحق الصبر، وإفساح المجال للمتردد كي يجد صوابه دون أن يقطع المتسلقين الحبل.

في رؤيتي السياسية التي تنشأت عليها كان الحوار الممنهج والمحاكمات العامة الشفافة هما العنصر الأسمى في الثقافة السياسية، وهما سلطة معتبرةٍ للخلاف، وفرض الولاء لا يكون إلا خارج الحلول الديمقراطية، لأنه عندما يشتد الانقسام، لن يكون الحل هو لغة القانون والوصول للاتفاق، نحن نسكت عنه؟ لا، ولكن على العكس: استمرار رهاب الطيف السياسي للآخر يعني أن نواصل بناء غطاء مؤسساتي واسع. فالمعادلة هنا مفادها: إن أي صراع ينتهي إلى قنوات مجتمع مدنية تقوي الموقف الجيد داخل المجتمع، ويحصر القنوات التراجعية خارج نطاقها. وفي آفاقنا المأمولة، ينبغي تثبيت الوعي في أذهان جميع الأطراف بأن السودان ليس حلبة صدام، ولكنه مسيرة تدبر بالجماعة وموكب يؤمن كل من ينشد الحرية والسلام والعدالة ولا يتخلف عنه عاقل.

الدين والدولة

علاقة الدين بالدولة كانت ولا زالت مجالًا شائكًا في تجربتنا: حيث أقحمت النزعات الدينية واستُضيفت المرجعيات الروحية والتجليات الأيدولوجية المصطبغة بالألوان الدينية في الشأن العام، وغالبًا تم تصويرها بصيغة تناقض حقيقتها؛ فالبعض رأى أن للدين دورًا تكميليًّا يمنح الحكومة نوعًا من الشرعية والاتزان الأخلاقي، بينما الآخرين خافوا من أن تتحول تلك المرجعيات إلى نزعة إقصائية وهو ما حققته تجربة التنظيم الإخواني الاسلاموي لثلاث عقو؛ ونظرًا لأن المسألة بحد ذاتها شديدة الحساسية، جرى احتدام النقاش: من يوظف الدين كأداة سياسية عملية، ومن يخاف من «العلمانية».

رؤيتنا ظلت ولا تزال تؤكد أن الدين لا يغيب من العمل العام لكنه لا يحتكر الحكم، وفي إطار هذه الرؤية، الدولة مدنية مضمرة؛ أي أنها تحصر عملها في مبادئ القانون العام، بينما الدين يُعتبر مراجعًا أخلاقيًا ومعنويًا عامًا، وهذا يعني أن المناهج الدينية تظل تشكل إطارًا عامًا للقيم بدون أن تفرض نفسها بصفة إلزامية، وأن القوانين المدنية هي عبارة عن توافق بين الجميع مستوحى من تلك القيم؛ المعادلة: كون الدولة ليست علمانية في التجاهل، ولكنها تمنح الدين موقعًا توجيهيًا ـ دون احتكار تسييس ـ بينما تستمد السلطة من مشاركة البشر كلهم بلا استثناء.

ما حصل في الواقع أننا تخلّصنا تدريجيًّا من الرؤية الوسطية المتسامحة، فانقسم المجتمع بين من يرى أن إشراك العلماء والرموز الدينية في الشأن السياسي يكرّس التراكمية الأخلاقية، وبين من دعا إلى «علمانية» حادة تؤكّد فصل المجال الديني عن العام، وفي المقابل، أقحم البعض الدين في مقام السلطة والهوية العامة، وكل جانب زاغ قليلاً، وأمسكَ البعض منه بالسلاح الرمزي أو خطاب «الخضوع للدين» عندما فشل في إقناع الجميع به، وهذا الاستعلاء أسهم في زيادة الاحتقان؛ فكلا الصوتين استشعر الآخر وكأنه منافس «مصيري»، بينما كانت الدولة تفقد مكانها كاإطار الجامع المنصوب للجميع.

لذلك ما فاتنا هنا هو صياغة توازن واضح يرسم العلاقة على أساس مرجعية واحدة وشاملة، والمطلوب ألاّ تجري السلطة الوطنية على شاكلة خطابات دينية ضيقة، وألا يُنظر إلى حضورها كمؤامرة على الإيمان، في المقابل إذ قدر لنا أن نعطي الدين مكانته الرفيعة في القيم والتربية، فلا بد للدولة أن تنأى عن اشتراط القناعات الخاصة على الجميع، وصياغة هذه العلاقة تتطلب عملًا مؤسسيًّا: (1) الدستور ينبغي أن ينص على حرية الاعتقاد والتعبير مع تأكيد أن جميع المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات، (2) المؤسسات الأمنية والمدنية ينبغي أن تلتزم بعدم التحيز الديني أو الاستقواء به، (3) التشريع يخلو من الوصاية الدينية المباشرة ويُكتفى بالتشريعات المقرة من شرائع أهلها. وبهذا الإطار تتحقق صيغة شاملة: دين يشكل روحًا وأخلاقًا للدولة، ودولة تنظر للجميع على قدم المساواة بحماية القانون.

المركز والهامش

أحد جوانب الاختلال التي غذت كثيرا من الأزمات هو شعور مناطق السودان المختلفة بأنها «هامش» للنسيج المتعدد، بينما حُوّلت العاصمة والمدن الكبرى إلى مركز للقوة والموارد، فالسياسات المركزية التركيزية أدت إلى هجرة كثيفة للكفاءات والخبرات العليا الوطنية إلى خرطوم، وانتقال معظم الخدمات الرئيسة هناك، على المقلب الآخر، بقيت محافظاتنا وولاياتنا وأقاليمنا الأبعد تلهث بحثًا عن دور ما لتشعر باستقلالية، تحمل في داخلها موارد الطبيعة وعادات التاريخ، لكنها كانت ينظر إليها من دوائر القرار كأماكن داعمة يتم توجيه الإنتاج منها لا إليهل ودون أن تعود إليهم الفائدة الكاملة.

أثر هذا التفاوت كان شديدًا: فقد برز شعور لدى بعض المناطق بأنها تَمنح السودان كل شيء وتُمنع من أي شيء حتى أن البعض بدا وكأنه يروي أرضه لتحقيق طموح المركز، فيما المركز البعيد اعتاد أن ينظر إلى بقية البلاد باعتبارها امتدادًا للنفوذ نفسه؛ وفي تلك الحالة تبدى الاستقلال كفضاء يصعب سكنه باستكمال، لأن المواطن يشعر بأن مردوده الاقتصادي والخدمي أقل مما ينبغي، وظهر هذا التوتر في مقاطعات عدة على هيئة مطالب محلية متزايدة أو نشوب نزاعات حول الأراضي والموارد والحقوق.

الحل الذي رسمته رؤانا وغيرنا ممن شخصوا وعاشوا المشكل السوداني، يكمن في تغيير نمط الدولة من «مركزية تسيطر» إلى «شراكة لا مركزية» مع الحفاظ على الوحدة، بأسس فدرالية عادلة، وإعادة هندسة الإدارة بتفويض صلاحيات حقيقية للأقاليم: من حقّ كل إقليم أن يدير تعليمه وصحته وخدمتك المدنية واقتصاده الصغير الخاص به، وأن يساهم في صياغة قوانين موضوعة وفقاً لاختصاص كل منطقة، ولكن بغياب هذا التحول، تظل الحكومات تنساب لتناسب نفسها فقط من خلال السياسة المركزية، ولا تزيد الثقة الجماهيرية العامة إلا عندما تبتعد الدولة عن مركزها قليلاً نحو المواطنين.

لذلك  أرى أن ما فُقد كان التوازن الزمكاني فنهضة البلاد حقٌ يتحقق برعاية متوازنة لكافة مناطقها وفق مصفوفات زمنية وتنفيذية، وإعادة البناء العادل تعني أن كل جزء في السودان له صوت في إدارة حيزه بوعيه وخططه ورؤاه، وأن نهج التنمية المستدامة ينبغي أن يشمل الهموم المتشابهة في المركز والمناطق النائية، وبهذا التصور لا تبقى خريطة السودان كيانًا يحمل اسمًا واحدًا فحسب، ولكنها حينئذ ستجسد فعليًا وحدة الحظوة المتساوية للأراضي كافة.

السلام وإدارة التنوع

لحظة واحدة شغلت بالنا طويلاً: كيف نؤمن سلامًا دائمًا ونحن نعيش في قلب تنوع متضاد وضخم؟ للأسف، كانت جهود السلام تُعالج كجزء مؤقت من الأزمات بدلاً من أن تصبح سياسة دولة، وفي كل مرة تفجرت أزمة مسلحة هنا أو تمردات هناك، ركزنا على إدارة الأزمة البارزة وإسكات الأصوات العالية، بتوقيع اتفاقية محدودة تُوقف نزف الدم، ثم تبيّن أن أوجه الظلم والأفكار المكبوتة بقيت دفينة. فمرّت علينا مراحل سلام لم يطوَّرها تبديل بنية دولة تُضمّن الاعتراف بالآخر الحقيقي وإشراكه بصورة حقيقية لا صورية.

النظرة الاستراتيجية لمرحلة السلام، وفق منظورنا هي أن السلام عملية استثمار اقتصاديٌّ واجتماعي، قبل أن يكون مجرد صفقة انسحاب للأسلحة وعملية تفاوضية تفضي إلى مساومة سياسية. لأن السلام في حقيقتنا هو رحيل المظالم، وخلق ترتيبات دائمة تشمل مشاركة سياسية كاملة وتقاسم حقيقي للسلطة. ولتحقيق هذا، لن يفيد استجرار تجارب الماضي، لأننا نادرًا ما استخدمنا آليات انصاف انتقالية تحل عقد المظلومين، وكأن السودان كان يفكّر بالأطراف بنهج فرض لها تعايشًا مع حالة الصراع نفسها، فأُعيد إنتاج الحرب دوماً، واستمر الشعور لدى بعض الجماعات بأن السلام صفحة مؤقتة لا تغير واقعًا جذريًّا.

بصورة عامة نجد أن ما فاتنا هو عدم انتقال السلام إلى البنية الدائمة للدولة، لأنه غالبًا ما استند حل النزاع في عقود مضت على التوزيع الفصائلي أو الدمج المؤقت، دون الحفاظ على آليات توفيقية وتعويضية واضحة. وكلما جرى التفاوض بلا هدفٍ جامع، عاد الدور لتجدد النزاع عند تغير التوازنات.

لذا ينبغي أن نتعلم من الدرس أن السلام ليس مجرد بند يُضاف للحل من باب الديمقراطية، لأنه شرطٌ لبقاء الدولة نفسها واستدامة استقرارها. فلا يكفي توقيع اتفاقية وسحب السلاح، وإنما وجوب تغيير النظام السياسي لكي يشمل الجميع. وهذا يعني عقد مصالحة شاملة، وإعادة هيكلة تمثيل الجميع في البرلمانات والحكومات المركزية والولائية، وتشريع قوانين تحكم التعامل مع التعدد قبل العودة لأي خلاف في المنظومة؛ ليصبح السلام المستدام هنا وظيفة الدولة ذاتها؛ ويصير إطارات حاكما تضمنه السياسات والحوكمة الرشيدة لا كلمات ووعود.

أفق الاستقلال المتجدد

لذلك أقول أن كل ما جربناه سابقًا، لم يصل لنصيبه الكافي من البناء. فقد لبست البلاد ثوب التحرير السياسي، لكنها ما زالت تبحث عن ثوبها الدستوري الكامل، فالاستقلال الحقيقي يبدأ حين نرتدي ثلاث رداءات متجددة: ميثاق المواطنين المنصف، وجهاز دولة مدني محصن بالقانون، ونظام عدالة اجتماعية معلن. فحينما يجتمع هذا الثلاثي، نحقق ما يمكن أن نسميه «الاستقلال الثاني»: استقلال السيادة بيد أهل الأرض، واستقلال الدولة من أي ضغط مُفرط، واستقلال المواطن من ظلم توزيع النعمة أو المحاباة.

ليس المطلوب أن ننسخ الماضي ولا نرفع أعلام الثورة. المطلوب هو نقلنا إلى مرحلة جديدة تستلهم لحظات التأسيس الأولى مع معالجة أخطائها. الاستقلال الثاني هو أن يتسلم العقد الوطني الجديد صفة المقدس المتفق عليها، ويصبح الإطار القاسم لكل التفاعلات. وأن يرى كل مشروع قائمة مطالبته جندا أصيلاً داخل السودان، وليس بأيدي جهات ودوائر خارجية. وأن تتوحد هيكلية الدولة بحيث ينقضي زمن إدارة الأزمة برئيس وزراء أو انقلاب، ويحلّ محلها تداول مستمر للسلطة وفق قواعد قانونية عادلة وشفافة.

في أفكارنا لإصلاحية ينبغي أن تكون بلادنا هي الدولة الراشدة التي يكون فيها السياسي أو المسؤول موظفًا مؤقتًا للمجتمع، والقانون هو اليد الفعلية التي تحمي المؤسسات والمواطنين والدستور هو القيد الأعلى المحتكم إليه لا الأهواء. هي دولة لا يُسمع فيها صوت الانقلاب على البلد، ولكن تُسمع فيها عبر الانتخابات والهياكل الشعبية، تصبح المسؤولية فيها خدمة عامة لا احتكارًا للقرار. هذه الدعوة الآن لكل القوى في الداخل والخارج: للشعب بكل أعراقه؛ وللنخب السياسية وأحزابها، وللقيادات الدينية والفكرية والأهلية، وكذلك للأصدقاء الإقليميين والدوليين. فهو جهد لتأسيس عقد شامل يستلهم قيم العدالة والشورى والمشاركة والمساءلة، ويضع إطارًا حقيقيًا للصالح العام.

بفعل ذلك يمتد الاستقلال من تاريخٍ احتفَلنا به إلى مشروع حياة تليق بأصالة هذه الأمة، مشروع لا يُفرض من خارج أو يُنتزع بالقوّة وإنما ينبت عبر البناء المشترك في أرضنا ويسقى بعرق بنيه وبناته لا بدمائهم. عندها يتّضح أن «الاستقلال الثاني» ليس رواية ذهبية في الصفحات، ولكنه فصل جديد من تاريخنا، وميدان عمل مشترك لتحقيق وعد الأجيال: دولة حكمها العدل، وأمنها كرامة شعبها، ومستقبلها شراكة أبنائها.


السبت، 13 ديسمبر 2025

ثورة ديسمبر بوصفها مشروعًا لبناء وطن جديد

ثورة ديسمبر بوصفها مشروعًا لبناء وطن جديد
بين الجهاد المدني وإعادة تأسيس الدولة

🖋. عروة الصادق

حين نقرأ ثورة ديسمبر 2018–2019 بوصفها مجرد انتفاضة أطاحت برأس نظام، نظلمها ونظلم أنفسنا، فالحادثة كانت أعمق من سقوط حاكم، وأوسع من تغيير حكومة. ما جرى كان، في جوهره، انفجارًا أخلاقيًا وسياسيًا في وجه بنية دولة مختلّة، ومحاولة جيل كامل أن يكتب عقدًا جديدًا بين السودان ونفسه. ولأننا نرى الأشياء بعين البصيرة لا بعين اللحظة، فإن الثورة تُقرأ كمسار لا كـ«حدث»، مسار بدأ باحتجاجات الخبز، وتجلّى في اعتصام القيادة العامة، ثم تعثّر في ممر الانتقال، ثم انقلب إلى حرب، وما زال يحمل في داخله إمكان مشروع خلاص وطني متى أحسنّا قراءته وأحسنّا تحويله إلى برنامج بناء.

هذه المقالة تحاول أن تقارب الثورة بمنهج رؤيوي، تحلل بنيتها، وتستخرج من سيرورتها دروسًا في فقه الجهاد المدني، وتقرأ انقلاب 2021 وحرب 2023 بوصفهما ذروة ثورة مضادة لم تُحسَم فصولها بعد، ثم تطرح ملامح طريقٍ لعودة الثورة، لا كشعار يتردد، وإنما كبرنامج إنقاذ وطن.


أولاً: ما عظمة ثورة ديسمبر؟ تعريف يتجاوز الإنشاء

عظمة الثورة تُقاس بثلاث قدرات تاريخية توافرت لها في لحظة واحدة، لا بعدد الأيام في الشارع، ولا بكثرة الشعارات على الجدران، ولا حتى بمآلها السياسي الأول.

1. نقل السياسة من النخب إلى المجتمع

لأول مرة منذ عقود أصبحت السياسة في السودان ممارسة يومية في الحيّ والشارع والجامعة وموقف المواصلات، بعد أن ظلت زمناً طويلاً حوارًا محصورًا بين حزب ونخبة ومجالس فوقية. تحوّلت لجان الأحياء إلى خلايا وعي وتنظيم، والمواكب إلى استفتاء متكرر على شرعية السلطة، والمتاريس إلى رموز لمجتمعٍ قرر أن يحمي نفسه بنفسه. بهذا المعنى خرج تعريف السياسة من دائرة النخبة إلى فضاء المجتمع، وصار الصراع مفتوحًا على تعريف الوطن ذاته: من يحكم؟ ولمن تُحكَم الدولة؟ وبأيّ حق؟ وكيف تُصان كرامة الناس في يومهم العادي قبل خطابات المنابر؟

2. بناء شرعية أخلاقية جامعة

رفعت الثورة شعار «سِلمية» بوصفه سلاحًا شرعيًا، لا زينة لغوية. السلمية هنا تُفهم كاستراتيجية قوة، فهي تعزل الثورة عن تهمة الإرهاب والتمرد المسلح، وتضع السلطة في مواجهة ضميرها وضمير العالم حين تُقابل الأيادي العارية بالرصاص، وتستدعي التعاطف الداخلي والخارجي، وتُلقي على الخصم عبء كل طلقة يطلقها، عبءً سياسيًا وأخلاقيًا وقانونيًا. هكذا تحولت السلمية إلى صيغة من «الجهاد المدني»، مقاومة عنيدة متدرجة ترفع كلفة القمع، وتغلق الأبواب أمام الانزلاق السريع إلى حرب أهلية شاملة، وتُبقي المجتمع متماسكًا بقدر ما تسمح به لحظات الصدام القصوى.

3. توحيد الوجدان بسردية وطنية بسيطة وعميقة

بدأت الشرارة من أزمة معاشية، الخبز والوقود والندرة والبطالة، ثم ارتفع الشعار سريعًا إلى مستوى آخر: «سلمية سليمة»؛ «تسقط بس»، «حرية سلام وعدالة»، «مدنية مدنية»، «عندك خت ما عندك شيل»؛ «يا عنصري ومغرور كل البلد دارفور». في هذه العبارات القصيرة تكثيف لتحولٍ عميق: انتقال من السخط على الأسعار إلى رفضٍ جذري لبنية حكم، ومن ضيق المعيشة إلى سؤال الشرعية، ومن تعدد الهويات إلى لحظة وجدان مشترك يرى «الشعب السوداني» ذاتًا واحدة تطالب بحقها. هذا التوحيد الوجداني لا يمحو التنوع، وإنما يعلو عليه مؤقتًا ليخلق لغة مشتركة، تسمح لمواطني الشمال والغرب والشرق والجنوب السابق أن يلتقوا في ميدان واحد تحت راية واحدة، ويستعيدوا فكرة الوطن كمساحة عقد لا كمساحة غلبة.


ثانيًا: البنية التي ثارت عليها الثورة، أزمة دولة لا أزمة حكومة

لا يُفهم اتساع الثورة ما لم يُفهم اتساع الأزمة. فالنظام الذي قام في 1989 لم يكن مجرد سلطة سياسية تُقاس بأخطائها اليومية، وإنما مشروع دولة حزبية أمنية أعادت تشكيل المجتمع والاقتصاد والمؤسسات على صورتها، حتى صار الخلل بنيويًا متغلغلًا في مفاصل الدولة والمجتمع معًا.

1. اقتصاد متهالك ومجتمع على حافة الانفجار

سنوات من الحروب والعقوبات والفساد والزبائنية حولت الاقتصاد إلى جسد منهك: تضخم متصاعد، ندرة في الخبز والوقود والدواء، بطالة عالية بين الشباب، وريـع متولد من الحرب والتهريب والجبايات غير الرسمية. هذا الخليط جعل «العيش اليومي» فعلاً سياسيًا، وحوّل طوابير الخبز والوقود إلى مساحات احتقان ووعي. وعندما انفجر الغضب خرج من دفتر الأسعار إلى سؤال المسؤولية عن انهيارٍ بنيوي طال الدولة ومؤسساتها وأخلاق الحكم فيها.

2. دولة أمنية حزبية راكمت المظالم في المركز والأطراف

أحاط النظام نفسه بأجهزة أمنية متشعبة، وشبكة ولاءات سياسية واقتصادية، واستخدم الحرب في الأطراف، دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، أداة لضبط المجال السياسي لا أداة لحماية الوطن. وبهذا تعمَّقت مسافة الشك بين الدولة والمجتمع: في الهامش رأى الناس مركزًا يستنزفهم، وفي المركز رأى الناس سلطة تحول العاصمة إلى جزيرة امتياز فوق بحر من الحرمان. وتراكم المظالم على هذا النحو صنع شعورًا عامًا بأن الدولة تعمل كآلة سيطرة لا كعقد حماية وخدمة.

3. تسييس كل مجالات الحياة بالقهر

حين تُلاحَق الصحف، وتُكمَّم النقابات، وتُحاصر الجامعات، وتُخترق المنابر الدينية، وتُراقب الفنون، يصبح كل مجال من مجالات الحياة مسيّسًا بالقهر، وتغدو كل كلمة ضد الظلم خطوة على طريق الثورة. لذلك خرجت ديسمبر من معنى «الثورة السياسية» بالمعنى الضيق إلى معنى أوسع: ثورة على نمط حياة مفروض، وعلى دولة تريد امتلاك الجسد والرزق والفكر معًا.


ثالثًا: الثورة كتصميم قوة، من حدث احتجاجي إلى استراتيجية جهاد مدني

ثورة ديسمبر يمكن قراءتها كتجربة مقاومة مدنية صاغت أدواتها بوعيٍ متدرّج، كأنها تتحرك وفق فقه المراحل والمآلات، فتنتقل من الاحتجاج إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى خلق ميزان كلفة جديد للحكم.

1. التمدد الأفقي، من عطبرة إلى الوطن

انطلقت الشرارة من عطبرة، غير أن بنية المجتمع السوداني، المدن المترابطة والحركة الطلابية والمهنيون وشبكات التواصل، جعلت الشرارة تتحول إلى شبكة تمتد من الأطراف إلى الخرطوم. تحالف المهنيين والناشطين وشباب الأحياء أسهم في تحويل الحدث المحلي إلى مشهد وطني، في صورة تنظيم شبكي لا يعتمد على «زعيم واحد» يمكن إسكات صوته لكسر الحركة، وإنما شبكة منسقين تحمي بعضها بعضًا.

2. أدوات تعبئة منخفضة الكلفة عالية الأثر

اخترعت الثورة أدواتها: مواكب منتظمة بأسماء وأيام معلنة، وشعارات قصيرة حافظة للمعنى قابلة للترديد في كل مكان، وفنون وأغانٍ وهتافات حولت الفعل السياسي إلى حدث وجداني، ورموز جديدة أبرزها صورة «الكنداكة»؛ المرأة التي تقف على سقف سيارة تهتف للحرية فتختصر دور النساء وكرامة الشعب وارتفاع الرأس بعد طول انحناء. هذا الابتكار في أدوات التعبئة جعل السياسة أقرب إلى الحياة وأشد التصاقًا بالناس، فأصبحت الثورة لغة يومية لا خطاب نخبويًا بعيدًا.

3. الاعتصام أمام القيادة، مساحة محررة ومختبر وطن

عندما تحوّل محيط القيادة العامة إلى اعتصام مفتوح حدث تحول نوعي: الشارع لم يعد «ممر مظاهرات» وإنما صار مدينة سياسية مصغرة. لجان خدمة تنظم الطعام والنظافة والأمن الداخلي، منصات نقاش وحلقات حوار حول مستقبل الحكم، خطاب وطني جامع تُرفع فيه أعلام الأقاليم وتُستعاد أغاني الهامش ويُكتب على الجدران أن السودان للجميع. بهذا المعنى كان الاعتصام تمرينًا مبكرًا على الوطن: كيف يمكن أن نتعايش؟ كيف نحكم أنفسنا بلا عسف؟ من يراقب من؟ وكيف تتحول الجماعة من احتجاج إلى إدارةٍ للفضاء العام؟

4. العصيان والإضراب، تعطيل ذكي بلا رصاصة

بعد مجزرة فض الاعتصام، وهي جرح غائر في الضمير السوداني، لم تنطفئ جذوة الثورة، وإنما تبدلت أدواتها. انتقل مركز الثقل من الميدان إلى العصيان والإضراب السياسي، وأظهرت الأيام التي شُلّ فيها المرفق العام أن الدولة لا تعمل بالأوامر وحدها، وإنما برضى آلاف العمال والموظفين والمواطنين. وارتفعت كلفة الحكم العسكري، فصار أمام معادلة شاقة: تنازل يخفف الاحتقان، أو مواجهة نزع الشرعية داخليًا وخارجيًا. هكذا برهن الجهاد المدني على قدرته على فرض الإرادة بلا رصاصة واحدة.


رابعًا: التحول في العقل السياسي السوداني، من رهبة السلطة إلى سيادة الشعب

قد لا تُختَتم الثورات سريعًا بترتيبات سياسية نهائية، لكنها تخلّف وراءها عقلًا جديدًا. وثورة ديسمبر أنجزت في هذا المستوى إنجازين مفصليين.

1. نزع القداسة عن السلطة

قبل ديسمبر سكن في الوعي العام، بفعل التاريخ والانقلابات المتكررة، أن الجيش والأمن «قدر» على السياسة، وأن المدنيين يُسمح لهم بالحكم حين يرضى العسكري ويُستغنى عنهم حين يشاء. جاءت الثورة لتكسر هذه الرهبة وتعيد تعريف العلاقة: لا قداسة لسلطة فوق إرادة الناس، ولا حصانة لمؤسسة حين تعتدي على العقد الوطني. هذا التحول في الوعي أصعب من إسقاط حاكم، لكنه يخلق أجيالًا لا تُخدع براية «المنقذ العسكري» ولا تمنح الاستبداد غطاءً باسم الأمن.

2. إعادة تعريف الوطنية كعدالة

هتف الثوار: «حرية، سلام، وعدالة»، وترتيب هذه الكلمات يحمل معنى عميقًا: حرية من دون سلام تفتح الباب للفوضى، وسلام من دون عدالة يتحول إلى هدنة هشة فوق فوهة بركان، وعدالة من دون حرية قد تنحرف إلى انتقام مقنّع. هكذا صارت الوطنية التزامًا ببناء دولة لا تقصي أحدًا ولا تظلم إقليمًا ولا تحول موارد البلاد إلى غنيمة نخبة صغيرة. هذه الرؤية ألهمت نشوء لجان المقاومة بصيغتها المتقدمة: كيانات قاعدية تحرس المعنى أكثر مما تسعى لمقاعد السلطة.


خامسًا: مأزق الانتقال، من الشارع إلى الدولة: أين تعثّرت القافلة؟

الانتقال من الثورة إلى الدولة يمثل عنق الزجاجة في كل تجربة تغيير، وفي السودان ظهر هذا المأزق بحدة.

1. معادلة الشراكة المدنية العسكرية، ترحيل الصراع لا حسمه

الوثيقة الدستورية في 2019 كانت محاولة لتسوية انتقالية تقوم على شراكة بين المدنيين والعسكريين. غير أن العسكريين امتلكوا السلاح والموارد وشبكات الدولة العميقة، بينما القوى المدنية دخلت المرحلة مثقلة بانقسامات وبخبرة تفاوضية متباينة، ودون اتفاق كافٍ على برنامج موحد لإعادة بناء الدولة. وبذلك انتقل الصراع من الشارع إلى مؤسسات انتقالية هشة، من دون تفكيك جذري لاقتصاد العنف ولا لإمبراطوريات المال والسلاح التي ترعرعت في عهد النظام السابق.

2. انفصام بين الشارع والقيادة

مع مرور الوقت شعر قطاع معتبر من قواعد الثورة باتساع المسافة: قرارات تُتخذ بقدر محدود من الشفافية، وتسويات فوقية لا تستوعب الشارع في تفاصيلها، وشعور متنامٍ بأن من جلسوا على كراسي السلطة الانتقالية، مدنيين وعسكريين، لا يجسدون بالكامل روح ديسمبر. هذا الانفصال سهّل على قوى الثورة المضادة استثمار التخويف من الفوضى، وتقديم انقلاب أكتوبر 2021 باعتباره «تصحيحًا للمسار» لدى بعض القطاعات، قبل أن تتكشف حقيقة الردة.


سادسًا: من الثورة إلى الحرب، حين انقلبت الدولة على المجتمع

حرب 15 أبريل 2023 لا تقف خارج السياق، فهي ثمرة مرّة لفشل حسم سؤال السلاح والدولة.

1. تعدد مراكز القوة المسلحة

في ظل التردد في إصلاح القطاع الأمني، ظل جهاز الدولة حاملاً أكثر من مركز قوة: جيش نظامي متشعب، قوة موازية نمت في الهامش ثم تصدّرت المركز، ومليشيات محلية وإقليمية ترتبط بهذا الطرف أو ذاك. وعندما انفجرت التناقضات بين هذه المراكز وجد المجتمع نفسه ساحة حرب بين أطراف يفترض فيها حماية الوطن.

2. الحرب بوصفها ذروة الثورة المضادة

ما كان يخشاه العقل الاستراتيجي وقع: من ثورة تطالب بمدنية كاملة، إلى انقلاب يعيد العسكر إلى الواجهة، إلى حرب تمزق المدن والريف وتستخدم التجويع والنزوح والعنف الجنسي أدوات في الصراع. انتهى تفويض البعثة الأممية المعنية بالانتقال، وتحوّل السودان في عيون العالم من «انتقال سياسي» إلى «صراع مسلح مفتوح». بهذا المعنى انتقلت الثورة المضادة من كسر شوكة الشارع إلى محاولة كسر ظهر المجتمع والدولة معًا.


سابعًا: كيف تعود الثورة؟ من شعار إلى برنامج للخلاص الوطني

السؤال الآن يتجاوز تقييم صواب الثورة، فقد أجابت دماء الشهداء عنه، ويتجه نحو كيفية استعادة روحها لتتحول إلى برنامج خلاص لا مجرد ذكرى.

الجواب يحتاج إلى استراتيجية مزدوجة المسار.

المسار الأول: إنقاذ المجتمع، وقف الحرب وحماية المدنيين

هذا واجب الوقت الأخلاقي والإنساني: وقف إطلاق نار قابل للمراقبة، لا بيانات شكلية، يتبعه فتح ممرات إنسانية وضمان أمن المدن والمعسكرات ووقف استهداف المدنيين في كل الجبهات. كما يحتاج إلى توحيد الصوت المدني في مطلب حماية الناس، بصرف النظر عن اختلاف البرامج السياسية، فالحد الأدنى هنا يمثل خط الدفاع الأول عن المجتمع. ويحتاج كذلك إلى ضغط إقليمي ودولي على رعاة الحرب، من يمول السلاح ويغض الطرف عن الانتهاكات ويستخدم السودان ساحة لتصفية الحسابات، حتى يدرك أن الكلفة السياسية والأخلاقية لن تكون سهلة. ويحتاج أخيرًا إلى توثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة، حتى لا تضيع الحقوق، وحتى يعلم المتورطون أن العدالة قد تتأخر، لكنها تظل طريقًا مفتوحًا لا يمكن إغلاقه إلى الأبد.

المسار الثاني: إنقاذ الدولة، صياغة عقد سياسي جديد

من دون دولة راشدة، لن تجد أي هدنة أرضًا تقف عليها. لذلك تحتاج القوى المدنية الجادة، والنقابات المستقلة، ولجان المقاومة، والفاعلون الاجتماعيون، إلى الالتفاف حول برنامج حد أدنى يمكن تلخيصه في نقاط مترابطة: مدنية كاملة تنهي أي صيغة تجعل السلاح شريكًا حاكمًا، وقوات مسلحة قومية مهنية بعد تفكيك منظومة "الإخواسكرية" وهيكلة بنية القوات النظامية وإصلاحها تحت إمرة سلطة مدنية منتخبة. وإصلاح جذري لقطاع الأمن يقود إلى جيش واحد مهني يخضع للدستور والمساءلة، مع دمج أو حل كل التكوينات والقوات الموازية وفق معايير زمنية واضحة وبرامج نزع سلاح وإعادة دمج متفق عليها ومسنودة بخطط اقتصادية واجتماعية. وعدالة انتقالية سودانية الروح توازن بين كشف الحقيقة ومحاسبة كبار المسؤولين عن الجرائم وجبر الضرر وفتح باب المصالحة المجتمعية، بحيث لا تُبنى البلاد على النسيان ولا تُدار بثقافة الثأر. واقتصاد سلام يقطع مع اقتصاد الحرب، يخضع الموارد للشفافية ويعيد هيكلة المالية العامة ويوجه الاستثمار نحو الزراعة والرعي والصناعة المحلية والبنية التحتية في الأقاليم المهمشة، لأن أي تسوية تتجاهل شبكات التهريب والجبايات غير القانونية والشركات المرتبطة بالقوى المسلحة ستعيد إنتاج العنف بصيغ جديدة. ومواطنة تعاقدية ووحدة بالتنوع، عبر عقد جديد يمنح الأقاليم صوتها ومصلحتها، ويعترف بالتعدد الثقافي والديني واللغوي، ويجعل الانتماء للوطن أعلى من الانتماءات دون أن يلغيها.

هذا البرنامج ليس ترفًا فكريًا، وإنما ترجمة استراتيجية لشعار «حرية، سلام، وعدالة» في زمن الحرب.


ثامنًا: دروس المنهج، ما الذي تعلّمناه للمرة القادمة؟

العقل الاستراتيجي يحوّل الألم إلى معرفة. وتجربة ديسمبر بما تلاها تقدم دروسًا كبرى.

1. قوة الشبكات وحدودها

أثبتت لجان المقاومة والشبكات الأفقية أنها أكثر صمودًا أمام القمع وأكثر قدرة على ربط السياسة بالحياة اليومية. غير أن الانتقال إلى بناء دولة يحتاج، إلى جانب قوة الشبكات، قدرًا من المركز: قيادات منتخبة، ناطقين رسميين، وآليات تفاوض شفافة، حتى لا تُختطف الثورة باسم تمثيلٍ لا يخضع للمساءلة.

2. سلمية لا تعني السذاجة

السلمية خيار استراتيجي يرفع كلفة القمع ويحافظ على النسيج الاجتماعي. ومع ذلك، فإن حسن الظن المفرط يفتح ثغرات قاتلة، والتساهل في ملفات تفكيك بنية التمكين وإصلاح القطاع الأمني وضبط السلاح خارج الدولة يسمح للردة بالعودة. كل ثغرة في هذه الملفات تتحول إلى فتحة في جدار الثورة يدخل منها الانقلاب والحرب.

3. لا انتقال بلا تفكيك اقتصاد العنف

اقتصاد الحرب أخطر من الحرب ذاتها لأنه يبقى بعد صمت المدافع. شركات الظل والتجارة غير المشروعة وربط الامتيازات بالسلاح عناصر تُحوّل السلام إلى تهديد لمصالح مجموعات نافذة. إعادة بناء الاقتصاد على الشفافية وتوسيع قاعدة المستفيدين من التنمية واستعادة الموارد المنهوبة قضايا سياسية بقدر ما هي فنية، وهي شرط لبناء سلام قابل للبقاء.

4. ضرورة تجسير الفجوة بين القاعدة والقيادة

لجان المقاومة والنقابات والكيانات المهنية والشبابية تمثل رصيدًا واسعًا من الوعي، وتركها خارج دوائر القرار يصنع فجوة خطيرة. المطلوب عملية سياسية جديدة تعترف بهذا الرصيد وتبتكر صيغ تمثيل للقاعدة، عبر مجالس محلية أو ترتيبات قاعدية منتخبة أو آليات رقابة شعبية، حتى يشعر الناس أن العقد الجديد صُنع بأيديهم، لا فُرض عليهم من فوق.


تاسعًا: الثورة كعهد لا كموسم، كلمة أخيرة

من السهل رثاء ثورة ديسمبر وسرد بطولاتها ولعن خيانات الطريق ثم العودة إلى اليأس. الأصعب، والأشرف، حملها عهدًا لا موسمًا.

عهدًا مع أنفسنا: ألا نقدّس سلطة بعد اليوم، وألا نُضيّع دماء الشهداء في مساومات رخيصة، وألا نسمح باختطاف الوطن مرة أخرى بين فكي حزب واحد أو بندقية واحدة. وعهدًا مع هذا الوطن أن نراه وحدة في تنوع، لا غنيمة جهوية أو أيديولوجية، وأن نجعل من جراحه درسًا للإقليم والعالم: شعب قادر على تقديم نموذج في الجهاد المدني، وقادر على إعادة تأسيس الدولة بعد الحرب متى امتلك أدوات البناء وإرادة التماسك.

وثورة ديسمبر، رغم ما يحيط بها اليوم من حرب وجوع وتشريد، ما زالت تحتفظ في أعماق الناس بمخزون من الأمل والمعنى. هذا المخزون هو الطاقة الثورية الحقيقية، لا تُقاس بالمواكب وحدها، وإنما بإصرار الناس على أن هذا الوطن يستحق أفضل مما هو فيه، وبقناعتهم أن طريق الحرية والسلام والعدالة، مهما طال، يمثل الطريق الوحيد الذي يوصل.

ومن هنا يصبح السؤال ليس: هل انتهت الثورة؟ وإنما: متى نبلغ نضجًا يجعلنا نحولها من لحظة احتجاج إلى مشروع بناء؟ وذلك هو التحدي الأكبر لجيلٍ عاش ثورة وانقلابًا وحربًا في عقد واحد، وهو مطالب مع ذلك أن يؤمن أن الفجر، مهما تأخر، ممكن، وأن السودان، مهما نزف، قادر على النهوض متى اجتمعت حول ميثاقه قلوب صادقة، وعقول مجتهدة، وأيادٍ تبني ولا تهدم.